أخبار عاجلة
الرئيسية » لجان الحراك الشعبي » مركز الحراك الإعلامي » وجدانيات في إعدام الشهيد الشيخ النمر
وجدانيات في إعدام الشهيد الشيخ النمر

وجدانيات في إعدام الشهيد الشيخ النمر

موسى السادة ـ مرآة الجزيرة

هنالك نشيد بحراني تنص احدى أبياته حيث يجيب الشاعر عن تساؤل صاحبه عن أي طريق نضال مسلكنا؟ فيجيبه:

“طريقنا! أنت تدري، شوك وعر عسير، موت على جانبيه لكننا سنسير!”

لكن السؤال هنا هل الموت حقاً على جانبيه؟

هل من يموت يُسجى على الرصيف و يزاح عن قارعة ذلك الطريق؟

هل جنبات هذا الطريق نهران مدادههما من الأحمر القاني؟

أم أن الطريق هو ذلك النهر ذاته وما هي إلا ضربة نفلقه بعصاة تتوارثها الأجيال وإن جارت على أقدارها الأزمان؟

الناشط موسى السادة، الابن البكر للمعتقلة الحقوقية نسيمة السادة ثم ما هذا الموت؟

هل هو واحد تتعدد فيه الأسباب؟

فمن مات بالسيف كمن مات بغيره؟

أم أن أسباب الموت على هذا الطريق وإن كانت كلها ليس ذات شبه عن غيرها إلا أنها تتباين فيما بينها وتختلف.

يموت المرء بحرارة دماء من استعدى مع إحتدام صدامه معهم وتلك موتة، ويموت المرء أيضاً ببرودة دمائهم وتلك موتة أخرى مختلفة، ثنايا الخوض فيها أبطأ وأصعب وأدهى وأمر، لكن الأهم أنها بلا ريب الأشرف.

ومن هنا تكون لموتة الإعدام بدم بارد قصة بل رواية، متن القليل من صفحاتها معلوم عنه ولو بالشيء القليل فهي إعتقال وتعذيب وإهانات، محاكمات مرافعات فإعدامات.

لكن جل متن صفحاتها مُغيّب في الأنفس، فهي ذلك الصراع مع الذات، صعود في الروح والمعنويات تارة، و ذبول ونياح وخبوت في أخرى، هي تلك المعركة الطويلة التي لا نعلم اليوم عن نهاية من مروا بها، هل إنتهت بالتسليم فتلوا للجبين بلا منادي، محجين محلِّقين لا محلَّقين،

“بفؤاد هادئ وقلب مطمئن وروح مسرورة وضمير آمن بفضل الله أستأذن الشعب وأغادر للمقر الأبدي”

كما خطّ أحد المعدمين على منديل؟

أم أن نهايتها كانت بخوف ووجل وارتعاد يُساقون فيها الى الذبح غصباً تُسحل فيه أجسادهم مرتجفة وهم يقاومون بيأس حتى تنقطع فيه أنفاسهم فيكون تسليمهم لأنه لم تعد لأبدانهم طاقة على مقاومة المحتوم؟

لا نستطيع الإجابة هنا، عل إجاباتها مخبوءة في زوايا الزمان، نكشفها نحن الأحياء شرط طلب الثأر واستيلاد الحق من أضلع المستحيل من نصوص وإرشيفات أدراج مكاتب وأروقة القصور.

إلا أننا اليوم نستطيع ولعله من المريح أن نصوغ سطور تفاصيل الصفحات بخيالاتنا وما نملكه من المعلوم من صفحاتها.

يخوض المعدوم معركته في السجن سنيناً، السجن تلك التجربة الطويلة التي تُقسّم بين عذاب وخفقات ارتعاب لحظة الإعتقال فغياهب الزنازين الإنفرادية وجرعات الخوف لحظة سماع أصوات فتح الأبواب كل صباح، هل هو دوري أنا لأجر الى تحقيق بالعنوان وجلسة مهانة وتعذيب في المضمون؟

هي جرعة الخوف التي تكون فيه ظلمة الزنزانة ملجأ أمام نور دهاليز السجن، ولربما خيوط ضوء الشمس و نسيم الجو إن عبرت بين مختلف المباني.

ثم بعد تحقيق وانتظار طويل، محاكمة أقف فيها خصماً لكل أطرافها عارٍ حافٍ دونما حتى قلم أرافع به وأدافع عبره عن نفسي، ليكون الحكم قطع رأسي.

هذه السنين الصعبة انما هي تحطيم لقواعد الزمان والمكان، فالداخل فيها يلوج في رحلة تختصر سنين العمر، فمن هو بعمر الطفولة تتهاوى فيه طفولته ليصقله هذا المخاض العسير ليولد من جديد، يكون كذلك المحكوم بالإعدام وهو لم يكمل العشرين، هو الذي حين ودع أمه في الزيارة الأخيرة أخبرته كن بخير يا بني، ليقول:

يا اماه كل ما لديهم هي هذه الرقبة ليقطعوها فليفعلوا!

ينتظر المعدمون اعدامهم دونما توقيت كل يوم وكل صباح، هو انتظار بريبة هل أذبح اليوم؟

لتمر ساعات دوام السجانين ليرجع المعتقلون المهددة رقابهم بالقطع لساعات الطمأنينة، الا أن تكرار تلك الريبة أهلكهم ليعيشوا دوائر الأيام بالقاعدة المأثورة:

اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً، لكن حالهم هنا يختلف لتمسي لياليهم وتصبح أيامهم بالعمل للدنيا والآخرة كأن الموت غداً!!

غداً، هو تلك الصبيحة التي ينادَون فيها من غرفهم، ليعلموا دون اخبارهم ان هذه هي ساعة الوداع، كان أحد المعدومين قد اتفق في تلك الليلة على قراءة دعاء مع رفقاء زنزانته، علم أنه سيخلف الموعد، ليتشارك العناق الأخير بالدموع.

لكن التسليم ليس بالأمر السهل وان حاول التمسك برباطة الجأش مصطنعاً، حيث تبقى شعلة الأمل في داخله، التي تقاوم جور الطغيان تستميت في التمني والتعلق بالدنيا، انه هذا الأمل المؤرق للروح المروع وان كان مغزاه جميلاً، جمال لقاء الأهل والأبناء، جمال انكار أن آخر زيارة كانت الأخيرة، و آخر نظرة كانت الوداع.

يركبون “الباص” الحافلة، يا أيها العسكري الى أين تأخذنا؟

لا إجابة، فصراع ذلك العسكري في ذاته وهو يجر بني جلدته للنحر، وهنا ليس من الواقع ترجيح توحشه وموت الضمير، بل الأقرب أنه هو يعيش نصيبه من ظلم الأمير حيث أمسى ظالماً في يده.

يمشي “الباص”، وهم معصبي الأعين، لا نظرة أخيرة لشوارع عرفوها وألفوها، ويمشي معهم ذلك الأمل الخطير، لربما هو العفو، أو محاكمة أخرى، ليصلوا الى أحد السجون العامة، ويُوزعون على غرف متباعدة، يُساقون للإعدام واحد تلو الآخر كل ربع ساعة كما أبلغ أحد من نجى من آخر اللحظات، تلك الغرف التي تملؤها صرخات ونياح الترجي الأخير أو يملؤها ذلك الصمت بالتسبيح الهادئ من الأنين والمفعم بالرضا والاطمئنان بالفوز والنصر العظيم.

إنه الثاني من يناير من عام 2016، من غير المعلوم هل أعدم محمد صويمل وعلي آل ربح ومحمد الشيوخ مع الشيخ النمر في ذات الساحة؟

هل رأوه ورآهم ولو بسرقة لمحة؟

إن من العزاء لنا تطيباً لنفوسنا أمل أنهم رأوه، فهنا نضع أنفسنا مكانهم، فيباح لنا ترجيح فحوى نفوسهم.. أعدم مع النمر، لعله حدثهم بكلمات أخيرة،

آآآآه أي كلمات تلك تروي صحراء نفوسهم، أجر للذبح مع الشيخ!

انقلب كل شيء!

نور شعلة الأمل بالنجاة تخبو وتنطفئ ليطغوا شوق النظر لنور السيف حين يُشهر فيا سيوف خُذيني، فقد قاسمت أبا محمد حدّ ذات السيف، يا فخراً يروي الدهور القحلة، يا تنكيسة للرأس للسياف لم يعلوها رأس أحد من قبل.

سالت دماؤوهم، حان دور الشيخ النمر، قصته وروايته غير الجميع، فالمعلوم من متن صفحاتها هو كله.

فمن علم النمر علم أن آخر اللحظات تلك آخر الخطوات تلك آخر سجدة وركعة لم تملؤها الصلابة والشجاعة والإصرار ورباطة الجأش كغيره ممن واجهوا الإعدام دون وجل بإيمان لا يهتز على مر التاريخ.

فمع الشيخ النمر الأمر مختلف، فقد كانت لحظات حب لحظات عشق كانت لحظات شوق، وعلينا أن نجزم هنا أنه كان مغموراً بالسعادة والبسمة، حيث أننا هنا نسافر الى عالم تتجمد فيه قوانيننا وحساباتنا المادية كبشر راكمناها لدهور، لندخل عالماً آخر بمنظوره، فهو هنا مغرم متيم تذوب فيه روحه تريد تحقيق مناها وهي حبيسة ذلك الطين الضيق، وهو الذي رحب بالموت من على منبره

“مرحباً بالموت في سبيل الله”.

سيق هذا الرجل الطاعن في السن، لربما رأى بقية دماء من سبقوه على الأرض، ترحم عليهم علّه قرأ الفاتحة لهم، فأمثاله لا يجدون لأنفسهم وجود خارج رحلة العطاء والتضحية لغيرهم.
أكمل المسير وهو متلهف لا خائفاً ولا وجلاً مستأنساً ومتبسماً يريد احتضان السيف فهو مفتاح عتقه، يريد تقديم دمه فذلك مناه.

أنهى صلاته الاخيرة، ومن الغيب ماذا كان دعاء سجوده الأخير، جثى على ركبيته بدأ بالشهادة وهو سليم القلب ينتظر ضربة الأسف برغبة كرغباتنا الدنيئة نحن في أرض الدنيا شوق حضن أم أو ابنة أو حبيبة أما هو فهو في قصة غرام مع السيف، لو لم يمل السيف عليها لمال عنقه اتجاه الضربة، نزل السيف قطع الرأس.

يقال أن الرأس البشري يعيش لثمان ثوان في وعي بعد فصله عن الجسد، تدحرج الرأس لثانيتين رأى الدماء تجري أمامه، بماذا فكر هنا في الثواني الأخيرة في الست الثواني الأخيرة لا مجال هنا للتساؤل فالإجابة واضحة و معلومة:

فزت ورب الكعبة!

فزت ورب الكعبة!

فأغلق عينيه متبسم الشفتين وذابت روحه في ذلك الحب.

أما نحن هنا ما لنا إلا أن نقول:

هزئت بزيف دنيانا يا أبا محمد!

وأبقيتنا في سجن حيرتنا وبسؤالنا الوجودي، اذا ما لقيناك يوم الملتقى ماذا عسانا نقول؟!

مرآة الجزيرة http://mirat0034.mjhosts.com/41008/