أخبار عاجلة
الرئيسية » آراء و تصریحات و تغریدات » من جحيم سورية إلى بركان اليمن.. خيار الحسم بديلا عن وهم السلام
من جحيم سورية إلى بركان اليمن.. خيار الحسم بديلا عن وهم السلام

من جحيم سورية إلى بركان اليمن.. خيار الحسم بديلا عن وهم السلام

خاص: بانوراما الشرق الأوسط

أحمد الشرقاوي

يجمع المراقبون على أن حلب تحولت إلى مركز الكون في الصراع على النفوذ في المنطقة والعالم، سواء على المستوى الدولي بين روسيا وأمريكا أو المستوى الإقليمي بين إيران ومملكة الشر والإرهاب الوهابية، هذا في ما تسعى تركيا ليعترف العالم بدورها كلاعب رئيس في المنطقة، وتنتهج المناورة أسلوبا للابتزاز السياسي..

هذه حقيقة أصبح يدركها الجميع لما لهذه المدينة السورية من أهمية خطيرة في التحولات الكبرى القادمة وتداعيات نتائجها على أطراف الصراع كافة بما يفوق تداعيات “الربيع العربي” بكثير، ولهذا قال سماحة السيد أن معركة حلب هي التي ستحدد مستقبل سورية ومصير المنطقة وأن ما سواها من معارك لا تعدو عن كونها تفاصيل جانبية.

ولهذا السبب تدحرجت رؤوس كثيرة وأخرى في طريقها إلى السقوط، وظل رأس الأسد مرفوعا شامخا يتحدى العالم بصلابة صموده ورباطة جأشه وقوة إرادته في إدارة الصراع بمساعدة حلفائه لفائدة شعبه، هذا في ما أصدقاء الشعب السوري هم من ذبحوه باسم وهم الحرية وكذبة الديمقراطية.

وقد رأينا كيف أن “إسرائيل” نفسها وبلسان كبار محلليها، ترى أن سقوط حلب في يد “النظام” السوري سيقويه أكثر مما كان، وسيرسخ أقدام روسيا في الشرق الأوسط، ويعزز نفوذ إيران في المنطقة، وسيكون ذلك بمثابة نكسة للسياسة الأمريكية في عهد أوراما بما سيلحقها من عار وتراجع لدورها وانحصار لنفوذها.

وبهذا المعنى، تلتقي القراءة الإسرائيلية للحدث الحلبي مع قراءة محور المقاومة في معركة كسر العظم القائمة بين أمريكا وحلفائها وأدواتها من جهة، وروسيا وإيران ومحورها من جهة ثانية، ما يضفي على الصراع طبيعة الحرب الكونية المصغرة الدائرة على المسرح السوري بالوكالة.

*** / ***

والقول بأن ما يجري في سورية هو حرب كونية مصغرة لا يعد من قبيل المبالغة، لأن ما استقدمته أمريكا وحلفها الأطلسي وأدواتها الرجعية في المنطقة من سلاح وذخيرة ومقاتلين أجانب قدّرت دراسة ألمانية حديثة عديدهم بـ 360 ألف إرهابي أجنبي استقدموا من 93 دولة على امتداد عمر الأزمة بينهم 21٫500 إرهابي أوروبي وأمريكي، ناهيك عن عشرات الآلاف من الخونة والمغرر بهم الذين تم تجنيدهم من داخل النسيج المجتمعي السوري، والذين تقدر بعض المصادر عديدهم بما يتجاوز 100 ألف مقاتل..

هذه القوة الضاربة والإمكانات الضخمة التي أتيحت لها من جهة، ونتيجة طبيعتها الميليشيوية من جهة ثانية، كانت كفيلة بإسقاط دولة كإسبانيا مثلا وإعادة الأندلس إلى حضن “الخلافة الداعشية” في بضع شهور وليس سنين.

غير أن كل هذا الجهد التآمري الدولي فشل بشكل يصعب فهمه بالمنطق الغربي الانتهازي أو بالذهنية الأعرابية المُسطّحة التي تقول أن “كل شيئ يمكن شرائه بالمال”، لأن ما حصل أيها السادة يخرج عن نطاق المنطق ويلامس مجال المعجزة، بدليل أن حتى الرئيس أوباما لم يفهم كيف؟ ولماذا؟ فشلت امبراطورية روما العظيمة ومحورها الدولي الذي يدعمها دون قيد أو شرط في تحقيق أي انتصار يذكر في سورية (؟؟؟)..

والحقيقة، أن “السعودية” ظلمت أوباما ظلما كبيرا حين حمّلته مسؤولية الفشل في سورية، وهو ما جعله يرد عليها بغضب حين قال لمجلة “أتلانتيك”، إن ‘آل سعود’ اعتادوا ركوب ظهور الجنود الأمريكيين لتحقيق أوهام نفوذهم في المنطقة.

أما بالنسبة للانتقادات “إسرائيل” اللاذعة، فلم يستسغها الرئيس أوباما الذي قدم للكيان الصهيوني المجرم خلال فترة حكمه من الدعم ما لم يقدمه لها رئيس قبله. الأمر الذي دفعه للقول بمرارة خلال إحدى إطالاته الإعلامية بمناسبة حملة الانتخابات لدعم هيلاري كلينتون للرئاسة، أن الاجتماعات بشأن سورية أخذت منه الكثير من الوقت والجهد لدرجة شيّبته. وأكد في مناسبة أخرى قبل بضعة أسابيع، أنه “لم يبق شيئ نفعله ولم نفكر به في سورية”، في إشارة إلى أن شعار “نعم نستطيع″ الذي قاده إلى سدة عرش الامبراطورية انقلب بالمحصلة إلى شعار” لا نستطيع″، خصوصا بعد أن استنفذ كل الخطط التي وضعت بدرج مكتبه البيضاوي لإسقاط سورية.

ذلك أن أوباما لم يوفر خطة إلا ونفذها في سورية، من خطة “ألف” إلى خطة “باء” فـ”جيم” فـ”دال” مرورا بكل حروف الهجاء العربية واللاتينية دون جدوى.. ليصل إلى خلاصة حتمية قاطعة نهائية مؤداها، أنه إذا كان الله وملائكته يقاتلون إلى جانب “إسرائيل” كما يقول حاخامات الوهابية وكهنة الإخونج تنفيذا لنبوءة التوراة.. فلماذا نصر الله روسيا ومحو المقاومة وهزم أمريكا وحلفائها وأدواتها؟..

تصريحات أوباما الأخيرة تعد إقرارا ضمنيا بأن حمار الحزب الديمقراطي قد سقط في حلب ولم يعد قادرا على الصمود وصولا إلى رأس جبل قاسيون ليرفع فوقه علم دولة “إسرائيل ويهوذا الكبرى”، وهو بذلك يؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن سماحة السيد كان على حق حين وعد أمته بالنصر فصدقها الوعد.. فأين يذهب المنافقون من هنا؟.

وقد جاء اعتراف أوباما هذا بعد أن سقطت كل خططه كأوراق الخريف في سورية، وعلى رأسها ورقة المعارضة التي ظل يُغيّر في أسمائها وأعلامها دون نتيجة، فلا جيش سورية الجديد انتصر وتحول إلى جيش بديل للجيش العربي السوري الذي قالوا عنه أنه انهار ولم يبقى منه سوى قلة، ولا الأكراد استطاعوا أن يحققوا إنجازات على الأرض تحولهم إلى قوة فاعلة لتنفيذ مخططات تقسيم سورية، ولا الجماعات التكفيرية التي استقدموها من كل أصقاع الأرض استطاعت الصمود في وجه رجال الله الأشداء الذين يهابهم الموت فيهرب منهم في ميادين القتال، ولا “جبهة النصرة” التي يعتبرونها العمود الفقري الرافد لبقية الفصائل الإرهابية الأخرى استطاعوا تعويمها كـ”معارضة معتدلة”.

وبهذا المعنى تكون المعادلة السعودية القائلة بـ”أننا نستطيع شراء كل شيئ بالمال” قد سقطت وثبت زيفها أمام إرادة المجاهدين والشرفاء من أصحاب الضمير في هذه الأمة.

وبانكشاف الخديعة، خرج الرئيس بوتين الذي لا يهتم لأوهام الأدوات، ليتهم أوباما رأسا بالسعي لتحقيق أهدافه الجيوسياسية بسلاح الإرهاب، مؤكدا أن لا وجود في سورية لمعارضة “معتدلة” وأخرى “متطرفة”، هناك فقط إرهابيين وجهات إقليمية ودولية تدعمهم، وهم بذلك شركاء لهم في الموت والخراب ما داموا يقومون بدعم الإرهاب بدل محاربته، لدرجة سمحت لهذا الشر المطلق بأن ينفلت من عقاله ويضرب في كل أنحاء العالم.. وبوتين بذلك إنما يذكرهم بمقولته الشهيرة التي أطلقها من على منبر الأمم المتحدة بقوله: “هل تدركون ماذا فعلتم؟”..

هذا سؤال يحرج الضمير العالمي الذي يدعى الحرص على الشرعية والقانون الدولي واحترام القيم الإنسانية والدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان.. فيا للنفاق!..

*** / ***

ومن قراءة تطورات الميدان، نستطيع القول اليوم بثقة، أن أخطر الخطط التي لعبتها أمريكا في الفترة الأخيرة في سورية تمثلت في ورقتين اكتشفت روسيا سريعا أنهما كانتا مجرد خدعة، فغيّرت روسيا من استراتيجيتها وقلبت الطاولة على واشنطن في سورية، وحين اتهم الوزير كيري موسكو بممارسة الخديعة، قال بوتين بالواضح الفاضح أن “الحرب خدعة”. والورقتين اللتان أشرنا إليهما في هذا السياق هما:

* الأولى: ورقت الهدنة التي عملت على تكريسها الولايات المتحدة في حلب، بهدف تدويل الصراع ليظل الحل رهين المساومات السرية بين أمريكا وروسيا بدل حوارات جنيف بين السوريين أنفسهم، وذلك من مدخل التنسيق العسكري كي لا يحدث اصطدام في الجو بين القوات الروسية والأطلسية، وهو الاتفاق الذي مكن أمريكا من الحصول من روسيا على قائمة الأهداف بشكل مسبق ساعدها على تجنيب التكفيريين ضربات محققة لإطالة أمد الصراع حد الاستنزاف، وما حديث الرئيس أوباما حول “المستنقع السوري” الذي ستغرق فيه روسيا عنا ببعيد، فهو بذلك يستدعي حالة أفغانستان لتكون ماثلة في ذاكرة الشعب الروسي لدفعه لمعارضة خير رئيسه بالتورط عسكريا في سورية، لكن ما لا يدركه أوباما، هو أن كسب الحرب في سورية يعتبر مسألة كرامة تستعيد من خلالها روسيا مكانتها الدولية ودورها كشريك في القرار الدولي، وأن روسيا الاتحادية اليوم هي غير الاتحاد السوفياتي أمس.

بدليل أن أمريكا استغلت فترة الهدنة لضخ السلاح والمزيد من الإرهابيين إلى سورية كما أصبح معلوما، ووصلت بها الوقاحة حد اشتراط ضرب الجيش العربي السوري في حال خرق الهدنة واستهداف من تسميهم بفصائل المعارضة “المعتدلة” التي تدعمها من دون تحديد أسمائها ولا مواقع تواجدها ضدا في منطق الأمور، الأمر الذي رفضته روسيا بالمطلق.

* الثانية: الانقلاب العسكري في تركيا، والذي كان يهدف لاستيلاء الجيش على السلطة لفتح مواجهة مع روسيا وإيران وحزب الله في الشمال السوري بمساعدة “جبهة النصرة” و 30 فصيلا إرهابيا تم توحيد بندقيتهم ليقاتلوا في جبهة واحدة كالبنيان المرصوص، الأمر الذي كان من شأنه تغيير المعادلات على الأرض، لاعتقاد واشنطن أن روسيا وإيران ستقبلان بوهم التسوية بشروطها والتخلي عن خيار الحسم، مخافة فتح مواجهة مع الحلف الأطلسي التي قد تتطور إلى ما لا تحمد عقباه.

غير أن الرياح جرت بما لا تشتهي سفن أمريكا وحلفائها وأدواتها في المنطقة، ففشلت محاولة الانقلاب، وتغير المشهد وتبدلت المعادلات على الأرض لغير صالح امبراطورية روما الجديدة ومن معها، ليس بمعنى انكفاء تركيا عن التدخل في الشأن السوري، بل بسبب انشغال أردوغان في إعادة هيكلة الجيش بعد إضعافه وتفكيك العديد من وحداته، مع إصراره على الاستمرار في سياسته التخريبية في سورية.. لماذا؟…

لأن تركيا كما أمريكا كما حلفائها وأدواتها، يعلمون علم اليقين أن لا وجود لشيئ اسمه “معارضة معتدلة” في سورية، وأن الحرب ليست حربا أهلية بل معركة مع الإرهاب، وفي حال تم الحسم مع الإرهاب كما تصر على ذلك دمشق وطهران وحزب الله، فلن يعود للمتآمرين على سورية من ورقة تتيح لهم المشاركة في التسوية السياسية التي يجب أن تكون شأنا سوريا محضا.. لأن قبول دمشق بالهدنة مع الإرهاب، وبعدها بالجلوس على طاولة المفاوضات في جنيف مع ممثلين عن التكفيريين، يعني بكل اللغات إضفاء الشرعية على الإرهاب والقبول بالمجرمين كشركاء في العملية السياسية، بل وتمكينهم من مقاليد السلطة لإدارة شؤون الدولة.. وهذا ما لا يقبل به عاقل.

*** / ***
أمام هذا الواقع العنيد، قررت واشنطن لعب ورقة تمرير الوقت، بعد أن دخلت إدارة أوباما مرحلة الجمود والعجز، تنفيذا لمخطط أعد من قبل البنتاغون والمخابرات يقضي بفتح جبهة الجنوب من غرفة “الموك” بعمّان وبدعم من “إسرائيل” و”السعودية” وقطر الذين جندوا حوالي 10 ألف إرهابي في انتظار أمر العمليات.

وهدف فتح هذه الجبهة هو مشاغلة الجيش العربي السوري وحلفائه وتشتيت جهودهم كي لا ينجحوا في الحسم العسكري في حلب، في انتظار أن يقرر الرئيس المقبل للولايات المتحدة الإستراتيجية الجديدة التي يعتزم تنفيذها في سورية، والتي تقول معلومات متقاطعة، أن الحل الوحيد أمام الرئيس المقبل هو العمل العسكري ضد سورية، لأنه من دون هذا الخيار ستضطر واشنطن للتسليم بفشلها، بما يعنيه ذلك من فقدانها لموقعها وسمعتها ومكانتها في العالم، وتمكين روسيا وإيران وحلفائها من بسط نفوذهم على منطقة الشرق الأوسط.

وهذا ما كشف عنه رسميا السيد بشار الجعفري ممثل سورية في الأمم المتحدة حين قال من على منصة مجلس الأمن الثلاثاء، أن “غرفة عمليات الموك الموجودة في عمّان وتضمّ أجهزة استخبارات عربية وأجنبية وإسرائيلية، تحشد ما بين سبعة إلى تسعة آلاف مسلح داخل الأردن وعلى الحدود مع سوريا، بغية إطلاق هذه المعارضة المعتدلة المتوحشة قريباً باتجاه حدودنا الجنوبية لكي يمارسوا اعتدالهم في قتل الأطفال، وتدمير البنى التحتية للدولة، ومهاجمة الجيش”.

غير أن ما يدور في رأس الجمل يعرفه الجمّال، لذلك رأينا تركيزا من قبل روسيا على إدخال القاذفات الإستراتيجية وغيرها من الأسلحة النوعية في معركة حلب لتسريع الحسم، هذا في ما ضخت إيران وحزب الله المزيد من المقاتلين لخنق الإرهابيين في الأحياء الشرقية لحلب حتى تطهيرها، إلى جانب المواجهات المشتعلة في الجنوب الغربي من ريف حلب وريف اللاذقية، وهي مواجهات لن تحسم بالسرعة التي قد يتصورها البعض نظرا لوجود حوالي 90 ألف إرهابي يقاتلون في منطقة الشمال.

*** / ***

من هنا أهمية زيارة أردوغان إلى روسيا، والتي يرى فيها هذا المهرج الدجال فرصة تاريخية للتعاون مع “الصديق الروسي” كما قال، وترى فيها موسكو فرصة لتحالف إستراتيجي مع تركيا، لكنها تشترط أن يمر من بوابة موقف تركيا الجديد من سورية، بدءا بإغلاق الحدود المشتركة بين البلدين في وجه المقاتلين والسلاح، وانتهاءا بالتعاون العسكري في محاربة الإرهاب في سورية ومنطقة آسيا الوسطى.

وتجذر الإشارة في هذا السياق إلى أن تركيا عازمة على التعاون مع الصديق الروسي والإيراني بعد أن فقدت الثقة في أمريكا وأوروبا، لكن فقط في مجال الاقتصاد، دون أن تغير موقفها من سورية والذي لا يزال يقوم على ضرورة رحيل الأسد لأنه قتل 600 ألف من شعبه كما أعلن أردوغان صراحة الإثنين في حديثه من جريدة ‘لوموند’ الفرنسية، متناسيا أن الدراسة الألمانية التي سربت معطياتها المخابرات الأطلسية، كانت رسالة لـ’أردوغان’ مفادها، أنك متهم بدعم الإرهاب وتسهيل مرور 360 ألف مقاتل أجنبي عبر أراضيك إلى سورية، وأن ابتزازك لأوروبا بموجة لاجئين جديدة لن يمر لأنك أنت من تسببت في هذه الكارثة الإنسانية، فلا تراهن على الوهم..

وإذا كانت العلاقات بين الدول تقوم على المصالح المتبادلة وجلب المنافع لشعوبها، فهذا يعني أن عنصر الاقتصاد يكتسي أهمية كبرى باعتباره الركيزة الأساسية لضمان الأمن السياسي والاجتماعي، غير أن لـ’أردوغان’ مفهومه الخاص للعلاقات الدولية التي يجب أن تركز على المصالح والمنافع الاقتصادية دون المساس بالخيارات السياسية لكل دولة حتى لو تعارضت وتصادمت في أتون حروب طاحنة بالوكالة، تماما كما هو الحال مع إيران مثلا في سورية، وهو يريد أن يبني على هذا النموذج علاقاته الجديد مع الروسي، بحيث يستفد من ثمارها الاقتصادية الوفيرة دون تنازلات سياسية في الملف السوري، وبذلك يجنب الصدام مع أمريكا وأوروبا ويستمر في ابتزاز “السعودية” وقطر.
لكن هل تقبل روسيا هذا النوع من العهر السياسي من مدخل البراغماتية أن ستضع أردوغان أمام منطق جديد يقول بأن المصالح الاقتصادية مرتبطة بالتحالفات الجيوسياسية كما حصل بين روسيا وإيران وأذربيجان في لقاء الإثنين بين الرؤساء الثلاثة؟.. هذا ما ستجيب عنه نتائج زيارة أردوغان إلى موسكو.

*** / ***

وفي تطور جديد لافت يؤكد أن روسيا لم تأتي إلى المنطقة لمحاربة الإرهاب في سورية فحسب، بل جاءت لترسيخ أقدامها وبسط نفوذها في أكثر من دولة، بدءا من سورية وليس انتهاءا باليمن، قرر بوتين تغيير موقف بلاده من الحرب على اليمن وفق ما تبين في مجلس الأمن مؤخرا، الأمر الذي فهم على أن موسكو تعتزم استخدام الورقة اليمنية في صراعها مع أمريكا وحلفها الأطلسي الذي يحاول تطويقها من خاصرتها الرخوة في أوكرانيا وبولندا ورومانيا وغيرها.

وما كان لروسيا أن تغيّر موقفها من اليمن لولا إدراكها أن المعادلات على الأرض تتغير بسرعة ولغير صالح تحالف “السعودية” ومن معها، وهي نفس الإستراتيجية التي اعتمدتها أيضا في سورية، حيث أنها لم تدخل المعركة ضد الإرهاب هناك إلا عندما أدرك الرئيس بوتين وإدارته أن الرئيس الأسد وحلفائه يمسكون بزمام المبادرة، وأنهم يشكلون قوة لا يمكن هزيمتها، وهو ما حصل في اليمن أيضا، حيث انقلبت التوازنات في الميدان بفضل قوة وصلابة وإرادة الشعب اليمني المجاهد وبطولات جيشه ومقاومته الشريفة.

هذا الموقف الروسي الجديد سيدفع دولا أخرى لا محالة للاصطفاف إلى جانب روسيا وإيران في الملف اليمني، ولن ينفع “السعودية” هذه المرة استقدام 5 آلاف من مرتزقة الجيش السينغالي لتغيير المعادلة على الأرض كما روج لذلك خلال زيارة الوزير عادل الجبير لهذا البلد الإفريقي الفقير مؤخرا.. هذا وهم ثبت فشله بعد 16 شهر من الاعتماد على الإرهاب والمقاتلين المرتزقة، وهي الاستراتيجية التي استنزفت مذخرات “السعودية” لدرجة دفعت بكبير حاخاماتها مؤخرا لدعوة المواطنين للتبرع للمجهود الحربي في الجنوب، خصوصا بعد أن انتقلت نار جهنم إلى عمق الأراضي “السعودية”.

وواضح أن موسكو تربط مواقفها السياسية المبدئية بعامل الشرعية، وهذا ما يفسر قيام أنصار الله والمؤتمر الشعبي بتأسيس المجلس السياسي الأعلى لإدارة البلاد، باعتباره السلطة العليا المعبرة عن إرادة الشعب الحقيقية في غياب أية سلطة تدير المؤسسات في اليمن، وقد جاءت هذه الخطوة الثورية الذكية بتوصية من روسيا وإيران لتكون بمثابة الإعلان الرسمي عن سقوط شرعية ‘هادي’ الخليجية، وتحول الصراع من حرب بين نظام “شرعي” ضد “التمرد” الحوثي كما كان مصنفا من قبل، إلى حرب بين الشعب اليمني المسالم و”السعودية” المعتدية، ما يجعل حله يمر حتما من خلال مفاوضات “يمنية – سعودية” بإشراف دولي تكون لروسيا الكلمة الفصل فيه، لأن من يملك مقومات الحسم في الميدان هو من يتحكم في معادلات الصراع ويفرض شروط الحل.

هذا التطور سيكون له ما بعده لا محالة، لأنه يؤشر إلى أن “السعودية” دخلت نفقا مظلما في اليمن، بعد أن أصبح أنصار الله والجيش العربي اليمني يقاتلون في العمق “السعودي” لكسب مزيد من الأرض بقصد فرض معادلة التفاوض مع “السعودية” المعتدية بدل أدواتها من العملاء الخونة الذين لا شرعية ولا قوة لهم على الأرض غير التكفيريين والمرتزقة، ما يضع أمريكا في مأزق لا تعرف كيفية الخروج منه من دون إنهاء عهد سلمان وولي ولي عهده المقامر والمتهور الذي فشل في اليمن كما فشل في العراق وسورية، واستبداله بالأمير بن نايف الذي يتوقع أن يغر سياسات بلاده ويدخل في حوار مع روسيا وإيران لحلحلة أزمات المنطقة قبل أن تتفاقم أكثر.

وهذا هو ما رشح عن اجتماع طنجة الأسبوع المنصرم بين مسؤول أمريكي رفيع والعاهل سلمان والأمير بن نايف من دون حضور الأمير محمد بن سلمان المغضوب عليه أمريكيا.

ولعل هذا المستجد هو الذي يفسر خروج بوق النظام ‘جمال خاشقجي’ للقول الجمعة في مقال على جريدة الحياة اللندنية، أن “أمريكا لم تعد حليفا موثوقا”..

فهل تحدو “السعودية” حذو تركيا وتنعطف شرقا نحو روسيا لتصلح العلاقة التي أفسدتها مع إيران وسورية والعراق، أم ستفضل الانتحار السياسي من باب المكابرة؟..

إنها حقا بداية نهاية اللعبة.