أخبار عاجلة
الرئيسية » إسلايدر » قصة وحدث: مملكة الإعدامات بالجملة ’ #الشيخ_الشهيد_النمر’ إحداها
قصة وحدث: مملكة الإعدامات بالجملة ’ #الشيخ_الشهيد_النمر’ إحداها

قصة وحدث: مملكة الإعدامات بالجملة ’ #الشيخ_الشهيد_النمر’ إحداها

رحمة عبدالله ..

47 شخصا أعدمتهم دفعة واحدة من بينهم الشيخ النمر وثلاثة آخرين من أبناء بلدة العوامية أيضا، وهم “علي آل ربح، ومحمد الشيوخ، ومحمد صويمل”..  ..كانوا معتقلين على خليفة الحراك المطلبي السلمي الذي انطلق مع ماسمي بـ “الربيع العربي”.. التهمة كانت معلبة وجاهزة  فـ”الإرهاب” ذريعة تستخدمها السلطة وقتما تشاء..فهي تحتال وتتعمد خلط الأوراق بإعدامها هذا العدد الكبير هدفها تصفية الشيخ الشهيد!.

 

في مثلِ صباح هذا اليوم، الثاني من شهر يناير من العام الميلادي الماضي، كان يصادف يوم السبت، استيقظَ المجتمع المحلي والإقليمي بل والعالمي أجمع على صدمة خبر إعدام السلطات السعودية رمز الحراك المطلبي “الشيخ الشهيد نمر باقر النمر”، ..الخصم السياسي، المعارض للفساد ولسياسية التمييز والإقصاء..كان صوتًا شجاعاً يطالب بالإصلاح السياسي والاقتصادي، وبالعدالة الاجتماعية والمناطقية وحرية الاعتقاد الديني، ويطالب بإطلاق سراح معتقلي الرأي..ثمة صبح مختلف يختزل الظلم والاضطهاد ورفض الكلمة.. صبح أباحت فيه السلطات الدماء المحرمة وفجعت قلوب أهاليهم ومحبيهم دون رحمة.. وسائل إعلام السلطة في بهرجة إعلامية ..المسرحية كانت مفضوحة.. المتحدث الرسمي للداخلية ينقل خبر الجريمة.. الجريمة التي يراد منها تكتيم الأفواه ..وترهيب الناس بأن السيف سيقطع رقبة كل من ينتقد السلطة!

 

إشاعة خبر الإعدام..

وقبيل ذلك بأيام قليلة عمدت السلطات لإشاعة خبر إعدامات قريبة تنتظر مجموعة من الإرهابيين،.. وكان قد حذر منها العديد من رؤساء دول، ومنظمات حقوقية وإنسانية، فقد حذروا السلطة من خطورة خلط النشطاء بإرهابيين في محاولة للتخلص من الشيخ النمر إلا أن التمادي في الظلم والتجاوزات الحقوقية والإنسانية هو الطريق الذي سلكته السلطة السعودية!..

 

خبر كالزلازل ..

خبر إعدام الشيخ الشهيد وقع كـ “الزلازل” رغم الأبناء التي أُشيعت بإقدام السلطة على ذلك الفعل الشنيع وفي أثناء عرض التلفزيون الرسمي أسماء الـ 47 شخصاً كانت العيون شاخصة ترتقب بوجل، وقبل الاسم الأخير بالتحديد رقم 46 ذكرت اسمه وعرضت صورته من بين الصور في محاولة لتخفيف جريمة اغتياله بعد كل هذا العدد وكأنها تحاول تضيع البوصلة إلا أنها فشلت في ذلك،  وما أن ظهرت صورة واسم الشهيد على الشاشة ضمن الأسماء حتى عجت مواقع التواصل الاجتماعي وتصدر الخبر وكالات الأنباء العالمية “الرياض تعدم معارضاً سياسياً”.. فمنهم من ندد ومنهم من حذر من هذا التصعيد، فيما أعرب العديد من رؤساء الدول عن قلقهم حيال هذه المخاطرة.

لقد عمدت السلطات السعودية مباشرة إلى نشر قواتها الأمنية و قوات الطوارئ تحسباً لأي احتجاجات شعبية معارضة لتلك الإعدامات الجماعية الجائرة .

 

يرى أحد الصحافيين المحليين والمهتمين بشأن الحراك المطلبي بأن السلطات السعودية كان بإمكانها معالجة ملف الشيخ النمر بشيء من الحكمة والتعقل باستيعاب تلك المطالب الشعبية على مستوى الوطن لكنها وسعت الأزمة إلى أزمة إقليمية وعالمية رغبة منها في تحقيق انجاز أمني-وهمي- تظهر به للعالم بعد الفشل على كافة الأصعد سوا كان في ملفاتها الداخلية أو في حروبها الدولية بالإضافة إلى أنها  كانت تمارس حالة انتقامية بحق الطائفة الشيعية.

 

ويضيف المصدر لـ “خبير” قائلاً: إن السلطة بإعدام الشيخ النمر أشعلت توترات دبلوماسية مع عدة بلدان فيما دانت جريمة الإعدام دول غربية، لافتاً إلى أن هذه الجريمة أثرت على صورة المملكة لدى لحلفائها الغربيين بإقدامها على إعدام معارضاً سياسيا،ً وتقييدها لحرية التعبير عن الرأي.

 

ويشير المصدر إلى أن تبعات إعدام الشيخ الشهيد النمر لاتزال إلى هذا اليوم، مستشهدا بصوت “الشيخ حسين الراضي”-المعتقل لاحقاً- الذي خرج مباشرة يندد بالإعدامات الجائرة بالإضافة إلى انتقاده للسياسة الخارجية التي تتبعها الرياض كحربها على اليمن، وموقفها العدائي حيال المقاومة الإسلامية في لبنان.

 

ويختم المصدر حديثه قائلاً: لقد أصبح الشيخ الشهيد رمزاً عالمياً -حقوقياً وإصلاحياً- ولقد حقق دمه الطاهر انتصاراً ساحقاً على مستوى العالم، مشيراً إلى حجم الفعاليات الدولية المقامة بشعار “وماقتلوه” لإحياء الذكرى الأولى لشهادته المباركة، مشددا على ضرورة مواصلة النضال للمطالبة بجثمانه الطاهر وجثامين بقية الشهداء من السلطات السعودية لافتاً إلى أن: “جثمانه حق الأمة الإسلامية جمعا دون حصر، فالشيخ الشهيد تجاوز حدود منطقته وطائفته”.

 

من هو الشيخ النمر؟

الشيخ نمر باقر النمر من مواليد العام 1379هـجري الموافق1959ميلادي،  من أهالي بلدة العوامية – إحدى مدن منطقة القطيف شرق المملكة- له من الأبناء ابن واحد وثلاث بنات، وفي عام 1433هـ  توفيت زوجته بعد معاناة مع مرض السرطان بينما هو قابع بين جدران سجن الرياض رهن الاعتقال. والأشد ألماً أن السلطات لم تسنح له فرصة لتوديع رفيقة دربه وأم أبنائه أو الحضور في تشييعها!.

بدأ دراسته النظامية في مسقط رأسه بالعوامية إلى جانب تردده المستمر -منذ نعومة أظفاره- على المساجد والحسينيات والمجالس والهيئات الدينية، الأمر الذي نمّى فيه روح الالتزام الديني والتمسك بنهج أهل البيت(ع).

كان منذ صغره مولعاً بقراءة الكتب الدينية والثقافية، رغم أنَّ الكتاب كان -ولا يزال إلى يومنا هذا- يُعدُّ بضاعة خطيرة تُهرَّب عبر الحدود مصحوبة بالمخاطر والمغامرات في ظل الاضطهاد والقمع الفكري والديني.

 

عاش بين الناس..

عُرف الشيخ النمر بتواضعه الشديد بين الناس، فلم يكن يسعى لتصدر المجالس ولا احتكار إمامة الصلاة حيث لم يقتصر على تقاسم صلاة الجمعة فحسب، بل أكثر من ذلك .. لم يتكبر على الإئتمام في الصلاة خلف الشباب، وكان يقف للصغار عند مصافحتهم، ويبادر بالسلام على العمالة الأجنبية التي لا ينظر إليها أحد، وكان يجالس البسطاء في مجالسهم المتواضعة، ويُركب الراجل في الطريق بسيارته بغض النظر عن مكانته، وكان لا يتكبر على محاورة الشباب وانتقاداتهم، حيث بات للشباب الحضن الحاني عليهم والناصح والموجه لهم. استطاع الشيخ الشهيد أن يكون محبوب الجماهير بتواضعه وصدقه واستقامته.

وفي ذلك يذكر أحد الشباب لـ “خبير” أن الشيخ الشهيد كان يعمد للخروج إلى المسجد قبل الأذان وفي طريقه يسلم على الشباب ويحادثهم ويسأل عن أمورهم بعدها يحثهم للذهاب معه للمسجد والصلاة جماعة وكانوا ينجذبون له، مشيراً إلى أنهم وجدوا فيه الأب والناصح الأمين.

 

النقد في قانون السلطة ممنوع..

كان نقد السلطة، والخوض في كل ما يرتبط بحقوق الناس والحريات العامة والعدالة والكرامة وما شاكل من هذه الأمور ممنوعة قطعياً جملة وتفصيلاً ..كان المطلوب من الشعب فقط السمع والطاعة للسلطة السعودية لا غير.. إلا أن ذاك الشاب اليافع، كان شغوفًا بمعرفة أوضاع بلده، وكان يتساءل دائماً عن أسباب التخلف وضياع الحقوق وانتهاك الحرمات؟، وعن العوامل التي تجعل الغالبية العظمى من أبناء المنطقة الشرقية مهدوري الحقوق يقبعون تحت الفقر والضيق والحرمان، رغم أنَّ منطقتهم تطفو على بحيرة من الثروة النفطية؟!.

 

دوره في انتفاضة محرم 1400 هـ

تجلّى دور الشيخ النمر في انتفاضة محرم عام 1400هـ الموافق 1980م التي اندلعت من أجل المطالبةً بالعدالة والحرية –ولأول مرة–، كان هو أحد الشباب الرساليين ..وأبرز قياداتها التي طالبت بالحقوق المسلوبة، وبإنهاء عهد الحرمان والاضطهاد والتمييز.

 

وبعنف دموي طائش، وإرهاب ممنهج بحق أبناء هذا الشعب قمعت السلطات السعودية الانتفاضة الشعبية، وواجهت الاحتجاجات السلمية بالرصاص الحي ما أدى إلى سقوط عدد من الشهداء والجرحى، وكان الشيخ النمر ممن أصيب آنذاك برصاصة في رجله..

 

وعلى أثر ذلك قرر الشيخ النمر أن يتجه لبناء ذاته وإعداد نفسه لمواجهة الظلم والطغيان بكفاءات عالية، فقرر الهجرة لطلب العلوم الدينية، فأتجه إلى حوزة الإمام القائم “عج” العلمية في طهران. وصل إليها متألما من الجرح الذي أصابه، ولكن الأثقل من ذلك كانت جراح شعبه وأمته التي حملها معه وصور مشهد الدماء التي سكنت مخيلته.

 

وبعد عشر سنوات، انتقل إلى حوزة الإمام القائم في السيدة زينب “ع” في ضواحي دمشق، وهناك واصل مشواره العلمي في مرحلة دراسة الفقه الاستدلالي (بحث الخارج) إلى جانب التدريس والإدارة في الحوزة، حتى نال درجة الاجتهاد وأصبح فقيهاً مؤهَّلاً للتصدي لقيادة المجتمع في مسيرة التغيير.

 

العودة إلى الوطن لإكمال المسيرة..

عندما وصل إلى هدفه المنشود الذي سعى وبذل كل مايملك من أجل الوصول إليه بالمستوى العلمي الحوزوي،والتسلّح بالفكر الرسالي الأصيل .. عندها لم يجد مبرراً للبقاء أكثر من ذلك بعيداً عن تحمل المسؤوليات المباشرة، فقرر في عام 1416 هـ العودة إلى مسقط رأسه والتصدي لقيادة المجتمع، وتحمُّل المسؤوليات التي كان يشعر بثقلها منذ نعومة أظفاره. عاد.. وعاد معه تصاعد الوعي والنشاط الاجتماعي والحركة الثقافية والفكرية إلى بلدته العوامية، ومنها إلى أرجاء المنطقة.

 

اعتقالات متكررة قابلها بالثبات ..

لم تكن الاعتقالات تنال من عزم وإرادة الشيخ النمر في العمل على التغيير فقد حاولت السلطات مراراً وتكراراً أن تُخضع ذلك الصوت الذي لا يهاب ولا يخاف كان يرفض الظلم ويصدح بالحق، ويقف مع المظلوم ضد الظالم..

ففي العام ١٤٢٤هـ الموافق (٢٠٠٣م)  أقدمت السلطات السعودية على اعتقال الشيخ النمر بعد إقامة صلاة الجمعة في (ساحة كربلاء)، واستمر الاعتقال لعدة أسابيع، وطلبت منه السلطة ترك إقامة صلاة الجمعة والبرامج المختلفة ولم تكتفي عند هذا الحد فقد طلبت منه إزالة البناء الذي تقام فيه الصلاة لكي تُطلق سراحه. البناء الذي شيد لإقامة فرض من فروض الدين الإسلامي الحنيف!

 

وفي العام ١٤٢٥هـ الموافق (٢٠٠٤م) قامت سيارات رجال المباحث بمرافقة رجال الأمن بتطويق منزل الشيخ النمر من أجل إجباره على إلغاء مهرجان: (البقيع.. حدث مغيب)، إلا أنه رفض مصاحبتهم وأصر أن يذهب بسيارته، وبعدها قاموا بالضغط عليه لكي يلغي المهرجان.

 

ولأجل السبب ذاته البقيع المهدوم، اُستدعي الشيخ النمر في العام الذي يليه أي في العام – ١٤٢٦هـ الموافق (٢٠٠٥م)- من أجل إلغاء مهرجان: (البقيع الخطوة الأولى لبنائه) وقد استمر بقاءه في المعتقل من الساعة التاسعة والنصف صباحاً حتى الواحدة ظهراً، وخلال ذلك أخذ منهم وعوداً بأن يعطى حقه في المطالبة ببناء البقيع وغيرها من المطالب.

 

 وفي العام ١٤٢٧هـ الموافق(٢٠٠٦م) كان الشيخ النمر عاداً من (مؤتمر القرآن الكريم) في البحرين التي أقامته ممثلية المرجع الديني السيد محمد تقي الحسيني المدرسي، وفي طريق عودته عبر جسر الملك فهد تم اعتقاله على خلفية تقارير كاذبة، وفي هذا الاعتقال تعرض سماحته للتعذيب الجسدي والمعنوي بسبب جملة من المطالبات في إطار حقوق الطائفة الشيعية منها تدريس المذهب الشيعي في المدارس، وبناء البقيع، وبسبب المحاضرات التي كان يلقيها، وقد استمر اعتقال الشيخ قرابة الأسبوع حيث خرجت مظاهرة في العوامية عجّلت بخروجه.

 

وفي عام ١٤٢٩هـ الموافق (٢٠٠٨م) اُستدعي الشيخ النمر إلى محافظة القطيف، ولكنه لم يتجاوب معهم فتم ترحيله إلى إمارة الدمام ومنها إلى المعتقل وهناك أرادوا إجباره على التوقيع بعدم إلقاء الدروس والخطب -بالخصوص خطبة الجمعة- فرفض الشيخ النمر أن يتوقف عن إلقاء الخطب لمدة مؤقتة لم يُحددوا مقدارها، وبقرار من وزير الداخلية من أجل الضغط عليه أمر بوضعه في السجن الانفرادي ليكون بذلك “سجناً على رأي سياسي” ولم يستمر الاعتقال أكثر من يوماً وليلة. كل تلك المحاولات للتضييق عليه باتت بالفشل حيث كان يزداد عزيمة وصلابة في مواصلة طريق الحق والكرامة.

 

انطلاق الحراك المطلبي ..

وفي بداية العام 2011م، في ظل المناخ السياسي الذي عايشته المنطقة.. نظمت مجاميع شبابية في القطيف عدة مسيرات للمطالبة بالإفراج عن تسعة سجناء مضى على اعتقالهم في حينها ستة عشراً عاماً وقد عرفوا (بالسجناء المنسيين). ولازالوا حتى هذا اليوم خلف القضبان دون محاكمة!.

 

ومع دخول قوات درع الجزيرة إلى البحرين اتسعت رقعة الحراك المطلبي والاحتجاجات في القطيف رفضًا للانتهاكات التي ارتكبها درع الجزيرة بالشعب البحريني، فقابلتها السلطة باعتقال المئات من الشباب بتهمة ارتباطهم بالاحتجاجات، وقد تصدى الشيخ  النمر بكل قوة للدفاع عن حق الشعب القطيفي في الاحتجاج والتعبير عن الرأي .. وأكد رفضه أيضا لكل ما اُرتكب بحق البحرينيين.

 

الرصاص الحي مجددا بوجه المظاهرات ..

ومجدداً، في نوفمبر من العالم 2011م فتحت القوات الأمنية الرصاص الحي على بعض الشبان فاستشهد أربعة مواطنين كان ثلاثة منهم قد سقط خلال المشاركة في تظاهرات السلمية.

 

وعلى إثر ذلك..فبعد أن كانت مطالب المحتجين لا تتجاوز إلغاء التمييز والإفراج عن السجناء المنسيين، صعّد الشيخ النمر السقف المطالب، فطالب بحق الشعب في الحرية السياسية الكاملة غير منقوصة، وطالب بالقصاص ممن أطلق الرصاص على المتظاهرين ومن أصدر الأمر بذلك.

 

 الاعتقال الأخير .. والشاهد على سلميته

في الثامن من يوليو في العام 2012م، لم تجد السلطات السعودية غير طريق الإرهاب والترهيب والعنف والرصاص في مواجهة الكلمة والرأي،  لقد أطلقت القوات الرصاص الحي على الشيخ النمر فأصيب على إثرها بأربع رصاصات في فخذه الأيمن، وقامت باختطافه من موقع الجريمة فاقداً لوعيه لتنقله إلى المستشفى العسكري في الظهران، وبعد ذلك إلى مستشفى قوى الأمن بالرياض ثم إلى سجن الحائر.

كانت السلطات تتهم الشيخ النمر  بالعنف والإرهاب .. إلا أن من يشاهد صوره وهو مضرج بدمه.. ممدد في تلك السيارة يتيقن ببطلان الاتهام ..”الإرهابي” لا يترك سلاحه وهو مهدد في أي وقت أما بالاعتقال أو بالاغتيال.. كما أن جميع الفيديوهات المنتشرة له عبر الانترنت ليست فقد تظهر أنه كان يُدين العنف ويرفضه ويحذر منه.. بل باتت كلماته “زئير الكلمة أقوى من أزيز الرصاص”  شعاراً خالداً لكل أحرار العالم.

 

وفي سجن الحائر ظل الشيخ النمر شامخا ثابتا على مواقفه يصدح بها وكأنه على منبره بلا مواربة ولا خوف حتى بدأت السلطة أولى جلسات محاكمته في شهر مارس من العام ٢٠١٣م  دون إخبار سابق لذويه، ليس هذا فحسب بل طالب فيها المدعي العام بإقامة حد الحرابة (القتل) على سماحته حيث ساق له تهماً ملفقة.. إلا أنه ردها بالقانون وبالدليل فقد كتب نص مرافعته بيده .. تلك المرافعة التاريخية باتت اليوم كتاب يخلد شهادته ودستورها.. يحوي الكتاب على أكثر من مئتين صفحة تحت عنوان “مرافعة كرامة”.

 

ويشير القاضي في جلسة الثالث والعشرين من شهر ديسمبر من العام 2013ميلادي إلى عدد الساعات التي مُكّن فيها من القلم والورقة التي تعد من أبسط حقوق أي معتقل فضلا عنه أنه كان يحتاجهما في الدفاع عن نفسه ولكنه لم سمح له بهما إلا ثلاث مرات فقط! كانت منها اثنتان في المحكمة وواحدة في السجن والتي كانت في المحكمة كانت الأولى منها أكثر من ثلاث ساعات والثانية قرابة الساعتين.

 

اللقاء الأخير

في الثاني من ديسمبر من العام 2015 ميلادي، توجهت عائلة الشيخ النمر إلى زيارته في سجن الحائر بالرياض.. وصلت العائلة في الصباح الباكر يسبقها الحنين لرؤيته بالخصوص والدته وابنته “سكينة” وبقية إخوانه إلا أن إدارة السجن أخرت الزيارة لغاية الساعة 12 ظهراً، الأمر الذي أقلق قلب الأم المشتاقة لرؤية فلذة كبدها كحال أي أم.. ابنها ليس في غياهب السجون فحسب وإنما بين الحياة والموت حيث السيف مسلط على رقبته في أية لحظة تفصل عن جسده.. جسده المنهك بعذابات السجن وفراق الأحبة! وبينما هم في الانتظار زاد القلق عند شقيقه “أبو موسى”.

 

وحين دخلت العائلة للزيارة وجدت الشيخ النمر ينتظر وهذه هي المرة الأولى التي هو ينتظر حيث كانوا في الزيارات السابقة هم الذين ينتظرون مجيئه..كان الشيخ دائما يردد “الحمد لله رب العالمين” ولكن أكثر ماكان يردد “رغبته في أن يلقى الله شهيداً” فقد نالها عن استحقاق وجدارة..إنها الشهادة تختارُ من يختارها.

 

لم يغيب عن الشيخ الشهيد في تلك الزيارة المحكومين بالإعدام ذكرهم اسماً اسماً دعا لهم وأوصى عائلته أن يبلغوهم السلام ..رغم آلامه الجسدية والنفسية ..كان يستحضر المظلومين الذين عاش معاناتهم طوال عمره الشريف..عمره الذي قضاه سعيا منه في نيل كافة حقوق أبناء شعبه الذين اعتصرت قلوبهم ألما وحسرة لرحيله مظلوماً محزوز الرأس ربما أو أطلقوا عليه رصاصهم الغادر. وبعدها صادروا جثمانه الطاهر!.

 

إلا كرامتي لا تقربوها..

وبحسب مانقله في ذلك الوقت شقيقه محمد النمر عبر “تويتر” أن الأخير همس في أذن الشيخ النمر قائلاً “إن كلاماً يدور لمعالجة ملف المحكومين”، فرد الشيخ الشهيد بقوله “دعوني وعالجوا ملف الباقين، أنت والمحامي د.صادق الجبران مخولان بكل شيء إلا أن كرامتي أغلى من حياتي فلا تقربوها”.

يضيف محمد النمر “خرجنا في حدود الساعة 1:30 ظهراً، بوداع مشفوع كالعادة بأمل اللقاء القادم، لكن شقيقي جعفر همس متشائماً “إنه اللقاء الأخير”!. ربما ليس “جعفر” وحده استشعر الفقد والرحيل فحديث الشيخ الشهيد ووصاياه تُوحي بالشيء الكثير ..تُوحي بوصية المودع المفوض أمره لله وحده ..رافضاً المساومة على كرامته، متمسكاً بحقه في العيش كريما عزيزا حرا.

 

وبحكم جائر، رحل الشيخ النمر عن هذا العالم الفاني- رحل شهيداً مظلوماً محتسباً- يحسبون أنهم أخمدوا صوته بإعدامه وأخفوا ذكره ووجوده بمصادرة جسده، وتغييب جثمانه الطاهر إلا أنه حي يرزق عند ربه،..وسيبقى نهجه وإرثه “الكلمة مقابل الرصاص”، وسيبقى مثالاً ونموذجاً للحركة المطلبية السلمية .. وإيقونة للنضال المشرف.. نضال الكلمة الحرة في وجه الإرهاب والقتل وسفك الدماء.. الدماء التي سفكت بلا وجه حق ولا قانون فضلا عن تعدي صريح لشريعة السماء!.والأكيد أن هذه الدماء ستلاحق السافكين لها في الدنيا والآخرة. كما قال سماحته “فاتورة الدم غالية وباهضة الثمن….”.

 

واستمراراً لذات النهج القمعي والانتقامي هاهي السلطة السعودية تختم عامها كما بدأته بإصدارها جملة إعدامات جديدة ليس بحق أشخاص أبرياء فحسب، وإنما هم من خلص أبناء هذا الوطن! وقدموا جل أعمارهم لإنماء البلد كل في مجاله الفكري والديني والثقافي والأكاديمي والطبي والتجاري.. خمسة عشر مواطناً من الأشخاص الأكفاء تريد السلطة إعدامهم دون جرم بذريعة الخيانة العظمى إنها جريمة بحق هذا الشعب المخلص الأبي!.