أخبار عاجلة
الرئيسية » إسلايدر » قصة وحدث: عرس الشهادة ’#محمد_الحايك’
قصة وحدث: عرس الشهادة ’#محمد_الحايك’

قصة وحدث: عرس الشهادة ’#محمد_الحايك’

رحمة عبدالله ..

أن يكون مغيب عن أهله لأكثر من عامين في سجون المملكة السعودية لم يعد الأمر متوقعاً فحسب، بل مألوفاً .. إلا أن قضية المعتقل “محمد الحايك” جسدت مدى إمعان السلطات في التعذيب والاستبداد والقهر ..لدرجة أنه رحل مظلوماً بين أيديهم وأخفوا خبر قتله -تحت التعذيب- عام ونصف!

 

وفي يوم 26 من شهر صفر في العام 1419هجري، طلبت المباحث الإدارية بالدمام من عائلة الشهيد الحايك الحضور لاستلام ابنهم المعتقل “محمد” ولكن ..ماهي حقيقة هذا الاستلام وما وراءه؟ وهل هو نهاية السجن لمحمد ومعانقته الحرية وسط أهله ومجتمعه؟

 

من هو محمد الحايك

الشهيد محمد حسن الحايك  من مواليد التاسع من ربيع الثاني ١٣٩٠هـ..  من أهالي منطقة القطيف شرق المملكة -يسكن بحي الجراري- ترعرع في تلك البلدة  بين أسرة عرفت بالطيبة والخلق الحسن وكانت محبة لأهل البيت “ع”.. عاش يتيم الأب حيث توفي والده وهو صغير وقد اعتنى به شقيقه الأكبر فكان له الأب والمربي.

 

درس “محمد” المرحلة الابتدائية في مدرسة الفلاح والمتوسطة في مدرسة معن بن زائدة .. وبعدما حصل على الشهادة الثانوية العامة التحق بالجامعة في الرياض ودرس العلوم الإدارية ونال شهادة الباكلوريوس في إدارة الأعمال (تسويق) سنة 1416هــ.  كان مثال للإنسان المكافح والمجد فقد حصل على الوظيفة بعد عدة شهور من تخرجه من الهيئة الملكية بالجبيل.

 

التزامه الديني ونشاطاته المتعددة

ينقل عن الشهيد محمد أنه كان يرى أن المسجد يمثل حصن الإسلام المنيع، وله دور وفاعلية في رعاية الشباب والحفاظ عليهم من الانحرافات الأخلاقية والأفكار الغربية المنحلة، لذلك عمد إلى تدريس العقيدة الإسلامية لـ (النشئ القادم)  .. العقيدة المنبثقة من ولاية أهل البيت (ع). فقد كان على اطلاع بالمسائل الفقهية والابتلائية والعقائدية.

 

لم يغب دوره وحضوره في إقامة الشعائر المقدسة وبالخصوص المواكب الحسينية حيث كان يعشقها بعمق كبير، وكان الشهيد يتمتع بأخلاق عالية يشهد له البعيد بها فضلاً عن القريب. كما عرف بالتسامح وصلة الرحم..  وكان يحترم العلماء الربانيين ويوقرهم، وكلما سنحت له الفرصة للحضور إلى مجالسهم يحضر ويتزوّد من عملهم ويطلب النصح والإرشاد منهم.

 

ذو أخلاق حسنة

وفي علاقته بوالدته كان يحسن معاملتها لدرجة أنه في كثير من الأحيان يضطر للرجوع إلى البيت كي لا تحس والدته بالوحدة مهما كان عنده من مشاغل، ويتصف بالأخلاق الفاضلة، ويتميز بالإيمان الطاهر، وكان متعلق بالأئمة الأطهار وبالخصوص الإمام الحجة “عج”. كان حريص على أداء الصلاة في وقتها وتشجيع الآخرين على ذلك.

 

أما علاقته بأصدقائه فكان يحترم أفكارهم ويشاورهم ويؤثرهم على نفسه كما هو الحاصل في أيام دراسته في الجامعة حيث كان يستضيف في غرفته الطلاب الذي لم يحصلوا على سكن ويقدم لهم فراشه ويكتفي بالنوم دون فراش، إنه يملك روح الإيثار.

 

وفي علاقاته الاجتماعية كان يكن الاحترام والحب لأبناء بلده ويعيش مشاكلهم ويزور مرضاهم ويحضر جنائزهم ومسراتهم وأفراحهم، وكان يتمتع بصفاء النفس وحسن الظن بالآخرين. وله دور في النشاطات الاجتماعية سواءً في مهرجانات الزواج الجماعي أو مشاركته في تنظيم الرحلات التعارفية.

 

قدرته على تحليل مجريات أحداث العالم

الشهيد محمد كان يمتلك النظرة والقدرة على تحليل القضايا التي تقع في الساحة الإسلامية، لأنه كان يتابع أوضاع المسلمين في العالم من خلال الإذاعات والكتب فكان مهتم بالقراءة حيث تحوي مكتبته على أنواع متعددة من الكتب في الدين والفلسفة و العلوم والمعرفة الحديثة والشعر فقد كان يحب الشاعر عمر الفرا. ولديه كتب كثيرة في الإدارة لأنها تخصصه.. كان يقرأ للكل، حتى لمن لا تعجبه آرائهم. كان الشهيد إداريا ماليا ناجحا مقتصدا وفي ذاته الوقت لا يقصر على نفسه بأي شيء.

 

اعتقاله من مقر عمله

في يوم الثاني عشر من شهر صفر من العام 1416هـ  توجه محمد الحايك -29 عاماً- إلى عمله، كان ذلك الصباح الباكر مشرقا بديعا لم يكن يوحي له إلا بالنشاط والجهد والعمل، فقد تهيئ الموظف الجديد وخرج بكل نشاط متوجهاً لعملهِ في الجبيل.. فوصل عمله مع رفاقه وبدأ الدوام -داوَم الموظفون- وقت قليل مضى على بداية الدوام حتى دخلت قوات المباحث العامة وأخذوا محمدا دون جرم، نعم أقدمت القوات على اعتقاله وسط صمت زملائه، والحيرة بادية عليهم لماذا يأخذوه؟ وإلى أين وما السبب؟ لكل تلك الأسئلة الحائرة ثمة جواباً واحد وأكيد أن محمداً لم يرتكب مايستحق الاعتقال!

 

ولم تكتفي السلطات باعتقاله فقد أقدموا على اقتحام منزله واخضعوا المنزل للتفتيش بالكامل كما فتشوا مكتبته وكسروا بعض دروجها، ولاتزال أثار التفتيش والكسور موجودة على المكتبة إلى الآن.

 

خبر اعتقال الشهيد محمد شكل صدمة للجميع، وذلك حسب مصدر مطلع على قضية الشهيد صرح لـ “خبير”، حيث كان يتمتع بصفات فاضلة ومميزات المواطن الناجح في المجتمع.

 

ويشير إلى أن سبب الاعتقال هو أنه بعد تفجيرات الخبر حصلت موجة اعتقالات تعسفية نالت كل من له علاقة وثيقة بالحسينيات والمساجد ومواكب العزاء في تلك الفترة.

 

بشرى اللقاء

ولا يمكن نسيان ذلك اليوم الذي ورد فيه اتصال لأهله من سجن المباحث في الرياض لاستلام “محمد”، والذي يصادف 26 صفر 1418هـ.. ليلتها لم ينام أهله من شدة الفرحة، في انتظار الصبح الذي سيشرق برؤية “محمد” المغيب خلف القضبان..

 

وفي الصباح ذهب الأعمام والأخوال والإخوة يتقدمهم شقيق “محمد” الأكبر إلى سجن المباحث في الرياض حسب الاتصال، قدموا في الوقت المحدد لاستلام محمد.

 

وفي مدينته التي احتضنت طفولته ومراهقته والأيام القليلة من شبابه، بدأت الترتيبات والاستعدادات للاحتفال باستقباله بينهم، فقد اجتمع الأهل والأقارب والمحبين في منزل العائلة “البيت العود” الكل يمني نفسه، ساعات قليلة ويكون محمد بيننا بعد فراق لمدة طويلة نحو عامين، وطوال تلك الفترة لم يحصل الأهل على معلومة واحدة من المباحث، ولم يزره أحداً أبداً!..

 

عرس تحول إلى مأتم

رغم الفرح والاستعدادات القائمة، كان ذلك اليوم طويلاً جداً وكل المدينة تنتظر قدوم الوفد من الرياض، يتقدمهم زين الشباب المعتقل محمد، وبعد انتظار متعب وبالتحديد أول وقت العصر، جاء وفد العائلة خرج الرجال الموجودين لاستقبال العزيز الغائب، فجأة سمعت النساء الواقفات عند مدخل المنزل بكاء الرجال يرتفع، فشعرن بالخوف والقلق وهن لا يعلمن ما هو الخبر. دخل الابن الأكبر وهو مخطوف اللون والدموع تنهمر على خديه وهو يردد محمد راح محمد راح ..، وتوجه مباشرة إلى صاحبة المصاب أم الشهيد ودفن رأسه في حضن أمه يسكب دموعه الحارة، وبسماع كلمة راح ارتفعت الأصوات والبكاء داخل وخارج المنزل بل والمدينة كلها. وبذلك انتشر خبر شهادة محمد الحايك.

 

 قلب الأم دليلها

لقد تحولت الأجواء الاحتفالية -أجواء العرس البهيج- باستقباله إلى مأتم، أما أم الشهيد صاحبة القلب المفجوع والممزوج بإرادة الصمود.. كان قلبها دليلها، فهي منذ اعتقاله وهي تشعر بأن أصغر أبنائها لن يعود أبداً لحضنها، وتحس بأنها لن تتمكن من رؤية الشباب والاحتفال بزواجه، كان ذلك الشعور يراودها. ماذا بعد هذا الاعتقال التعسفي الجائر.. الظالم؟ ولكنها تكتم كل ذلك في صدرها فلا تتكلم ..

 

بعدما تيقنت من شهادته.. لم تبكي من شدة الصدمة أمام الآخرين إلا أن قلبها كان يبكي حسرة ويعتصر ألما، إنها أم مجروحة برحيل عزيزها، فالشباب محمد كان هو روحها فما قيمة الحياة بلا روح، لقد قتلوا مهجة روحها بقتل محمد. وكانت تكثر من ترديد حسبنا الله ونعم الوكيل. 

 

لقد تم رفع جميع صور الشهيد محمد من المنزل. كما تم رفع صوره من منزل إخوانه مراعاة لمشاعر الأم الصابرة وللمحافظة على صحتها إذ حرمت من رؤية “آخر العنقود”ولم تتمكن حتى من توديعه أو تقبيل جثمانه، أو زيارة قبره، فمازال جثمانه محتجز لغاية اليوم. مما يشكل جرحا عميقا جداً لا يندمل، بل يزداد في ظل امتناع السلطات السعودية تسليم جثته لإلقاء النظرة الأخيرة وتوديعه الوداع الأخير وتغسيله والصلاة عليه وتشييعه ودفنه حسب الأحكام الشرعية التي يعتقد بها.

 

مشروع زواج مرتقب

قبل اعتقال محمد، كان أهله يتحدثون عن مشروع خطبة وزواج، يحضرون لتلك المناسبة السعيدة التي يرتقبها أي شاب في مقتبل العمر وكذلك أهله يترقبون زفافه بالخصوص والدته ولكن الاعتقال التعسفي المفاجئ حال دون ذلك..

 

أُدخل المستشفى جراء التعذيب

يؤكد الكاتب والناشط علي آل غراش لـ “خبير” وبحسب المعلومات الواردة لاحقا من بعض المعتقلين بأن الشهيد محمد من شدة التعذيب الذي تعرض له أُدخل مستشفى المعتقل حيث نوم فيها، مبيناً أن محمداً لم يستشهد مباشرة.

وبحسب آل غراش فأن الشهيد محمد الحايك قضى أشهر قليلة ونال الشهادة ولم يكمل سنة في المعتقل ..إلا أنهم أخفوا شهادته ليكمل على تغييبه عامين!.
 
ويذكر آل غراش أن التاريخ الحقيقي لاستشهاد الشهيد محمد الحايك غير معروف بالضبط ولكن المعلومات التي وصلت بعد استشهاده تشير بأنه قد قتل أثناء التحقيق قبل سنة تقريبا من أخبار عائلته بوفاته، – والعلم عند الله – فالخبر شكل صدمة قاسية للمجتمع.

 

المجتمع يطالب بجثمانه الطاهر

وشدد آل غراش على ضرورة تسليم جثمان الشهيد، لافتاً إلى أن المجتمع وبالخصوص أهل الشهيد محمد الحايك يريدون رؤية جسده ومعاينته.. الجسد الذي تحمل شتىء أنواع التعذيب ماأدى لوفاته، فقد كان الشهيد الحايك شباباً يتمتع ببنية جسدية قوية ولا يعاني من مشاكل صحية.

وبحسرة وألم يضيف الكاتب آل غراش: أما الصدمة الكبرى والعظمى؛ هو رفض المباحث طلب الأهل المفجوعين باستلام جثته ابنهم إلا بشرط وهو التوقيع أولا على تقرير يؤكد بأن وفاته كانت طبيعية. فرفض الوفد التوقيع على تقرير مزيف، وإمعان منهم في الظلم رفضوا تسليمه لأهله ولم يصدروا شهادة وفاة له وربما لم يدفن لغاية اليوم!..

متسائلاً: كيف دفن الشهيد الحايك وهل تم تغسيله والصلاة عليه وتشييعه ودفنه مع كافة أعضائه؟..هل تم معالجة الكسور جراء تعذيبه؟ وهل تم تقطيع أشلاءه؟ هل دفن وهو ينزف؟ ويختم آل غراش حديثه: إن كل تلك الأسئلة تدور بأفكار وأراوح أهله ومحبيه ولا زالت لهذه اللحظة.

رحل الشهيد محمد الحايك بشهادة الجميع له بأنه صاحب شخصية غير عادية وكان يشعر أنه قادر على تقديم ما يساهم في خدمة المجتمع، رحل ولكن ذكراه حاضرة مع كل شهيد ومعتقل ومع كل حالة ظلم تقع، الشهيد محمد لم يغب ولن يغيب، فالشهداء أحياء… وهو رحل مظلوماً شهيداً.

فيما لا تزال الكثير من الحالات تقتل خلف القضبان بعد ساعات أو يوم أو يومين من الاحتجاز حتى تموت تحت التعذيب دونما رادع كما هو حال شهيد اليوم  الشاب مكي العريض الذي اختفى عن أهله يومين.. ليرحل إلى ملكوت ربه نتيجة التعذيب في التوقيف والاحتجاز لمدة يومين فقط! ولكي تحاول السلطة إخفاء الجريمة احتجزت جثمانه قرابة الثلاثة أسابيع! والشاهد الحي على بشاعة الجريمة هو الآثار الدامية والمفجعة على جثمانه!