أخبار عاجلة
الرئيسية » أخبار الجزيرة » عشقي .. نموذج الشخصية المُستلبة
عشقي .. نموذج الشخصية المُستلبة

عشقي .. نموذج الشخصية المُستلبة

القوة العسكرية التي تمتلكها امريكا بالاضافة الى قوتها الاقتصادية وامكانياتها العلمية والتقنية الضخمة ، كلها عوامل تجعل الناس ، وخاصة في العالم الثالث ، وعلى وجه الخصوص في الدول العربية ، ينظرون نظرة اعجاب ورهبة الى امريكا

وهي نظرة طبيعية الى حد ما ، ولكن هناك من تجاوز هذه النظرة ، الى ما هو ابعد منها بكثير ، فرفع امريكا الى مرتبة الالهه ، واعطاها من القوة ، ما تجعلها تتصرف بالعالم وحتى بالكون كيف تشاء ، فهي من وجهة نظر هؤلاء ، اذا ارادت شيئا سيقع لا محالة ، واذا رفضت شيئا لن يرى النور ابدا، وهذه النظرة ، او الحالة المرضية ، تعتبر احد مقومات الشخصية النخبوية المستلبة في العالم الثالث.

ننقل هنا بعض ما كتبه احد هؤلاء المستلبين حتى العظم امام امريكا ، فهو لا يستطيع ان يتخيل ان بالامكان ان تدور الارض حول الشمس بدون وجود امريكا ، فيربط كل ما حصل ويحصل على الارض بارادة امريكا ، فهي تُسقط الحكومات ، وتقسم الدول وتشن الحروب وتنتصر فيها ، وتخطط على مدى قرون للبشرية ، فيقع ما خططت له بدقة متناهية ، ولا يمكن لاي قوة او ارادة او حدث ، يمكن ان يغير من مشيئة امريكا وما خططت له.

من بين ما قاله هذا المنظر المرعوب امريكيا ، عن مستقبل البشرية ، وبشكل قاطع ودون ان تتسرب الى عقله معشار الثانية من شك او ريبة فيما يقول ، لنستمع:

“أن الولايات المتحدة تعمل على اقرار استراتيجية ردع جديدة ..وتسمى “استراتيجية المعادلة الثالثة” وهذه الاستراتجية تقوم على تعزيز التفوق التكنولوجي الامريكي .. الولايات المتحدة تستثمر ريادتها على صعيد الحروب عالية التقنية ..هناك أبحاث أمريكية أبرزها ما صدر عن مؤسسة (راند كورب) بعنوان “الحرب مع الصين واعادة التفكير في المستحيل” وهي دراسة سبق أن تكلم عنها كيسنجر وأطلق عليها الحرب العالمية الثالثة، التي أكد أن ما يجري في الشرق الأوسط ما هو الا مقدمة لحرب مع روسيا والصين، وقال إنها حرب شديدة القوة ولكن الولايات المتحدة سوف تنتصر“.

ويتابع هذا المنظر الاستراتيجي قائلا : “ومع أن التسليح الامريكي الحديث شديد التفوق في المجال التقليدي والتقني، الا أن الولايات المتحدة اتخذت استراتيجيتها معتمدة على الانتصار بدون قتال، وهو ما نشاهده في مواقعها في الازمات التي يتعرض لها العالم العربي، وسوف نشهد في الايام القادمة انهيارات اقتصادية لبعض الدول الكبرى مثل الصين وروسيا وكوريا الشمالية ، كما نشاهد تقسيما لايران الى أن تصبح ست دول مستقلة هي أذربيجان وفارس وكردستان وعربستان وبلوشستان وتركمانستان“.

هذا الكلام عن القوة السحرية!! لامريكا يتضاءل امامه ما قاله فرانسيس فوكاياما في كتابه “نهاية التاريخ ” ، وكذلك ما قاله صاموئيل هنتنجتون في كتابه “صراع الحضارات” ، رغم ان الرجلين من اكبر المتيمين بالقوة الامريكية ، ومن اكبر المروجين لهذه القوة.

صاحب هذا الكلام الذي يتجاوز حدود الهذيان هو لضابط الاستخبارات السعودي السابق اللواء أنور عشقي مهندس التطبيع السعودي مع الكيان الصهيوني ، جاء في اطار مقال كتبه قبل ايام في صحيفة الاهرام المصرية تحت عنوان “الحرب العالمية القادمة” ، حيث جعل العالم كله رقعة شطرنج لا لاعب امامها الا امريكا ، التي تحرك الاحجار متى تشاء وكيف تشاء.

الملفت ان المفتون عشقي يستند الى هذيانه الذي يطلقه كمسلمات بديهية حول انهيار روسيا وسقوط الصين واختفاء ايران وهزيمة كل اعداء امريكا في العالم ، على دراسات امريكية!! ، وكأن ما جاء في هذه الدراسات هو وحي مُنزل لا ياتيه الباطل ابدا ، ظنا منه ، ان ما قاله سينقل حالة الرعب المرضي الذي يستشعره ازاء امريكا الى الاخرين ،الذين سيصابون بنفس الحالة ويتراجعون عن مقاومتهم لامريكا ، او يستسلمون لها كما استسلم هو وامثاله.

عشقى المرعوب ، لم يخبرنا كيف يمكن ان تختفي كل هذه الدول الكبرى من العالم ، بينما تبقى السعودية على حالها ، فهل ستكون مصونة لانها تحت مظلة امريكا ، وهي المظلة التي لا ظل غيرها في ذلك اليوم؟!!، ام ان مقوماتها هي اقوى بكثير من مقومات روسيا والصين وايران؟!!.

ان ما قاله عشقي لن يرعب هذه الدول التي ذكرها في مقاله ، بل على العكس تماما انها ترعب امثاله والدول التي ترى في امريكا مايراه عشقي ، والا فان الحقائق على الارض تؤكد؛ ان ما يقارب القرن الكامل من الزمان مضى على المؤامرة الكونية ضد فلسطين المحتلة بهدف ازالتها من الوجود ، وبذلت امريكا ومن ورئها الغرب وعلى مدى عقود طويلة ، كل ما تمتلك من امكانيات ، الا انهم فشلوا في ازالة فلسطين ، التي مازالت تقاوم رغم خيانة الاشقاء وغدرهم.

حزب الله ، مجموعة من الشباب اللبناني المؤمن ، تمكن من انزال اكبر هزيمة باسرائيل ومن ورائها امريكا وكل الغرب بالاضافة الى الرجعية العربية واذنابها في لبنان ، فأين ذهبت “آلهة” عشقي ؟، لماذا لم تعصم اسرائيل من الهزيمة؟.

هذه سورية ، ورغم مرور اكثر من خمسة اعوام على الحرب الكونية على شعبها وحكومتها ، وفي مقدمة هؤلاء المعتدين “آلهة” عشقي ، وكل الغرب والرجعية العربية ، بقيت تقاوم ، بل ان رايات نصرها اخذت تلوح بالافق ، رغم انف امريكا واذنابها.

هذا اليمن البلد العربي الفقير الابي ، الذي يتعرض لاكثر الحروب ظلما في المنطقة والعالم ومنذ 18 شهرا ، حيث اجتمعت عليه عشرات الدول وفي مقدمتها “آلهة” عشقي ، الا انها لم تتمكن من النيل من ارادة الشعب اليمني ،الذي اضطرت امريكا مهادنته اليوم من اجل تخليص السعودية وحلفها الطويل العريض ، من ورطتها.

هذه الجمهورية الاسلامية في ايران ، البلد الذي يحلم عشقي بتقسيمها ، وهذه ليست رغبته بالمناسبة بل هي امنية بعيدة المنال لاسياده الامريكان والصهاينة ، فجربت امريكا حظها مع ايران عندما فرضت عليها حربا ظالمة باداتها القذرة المتمثلة بالطاغية صدام حسين على مدى ثماني سنوات ، وبدلا من تنال هذه الحرب من الشعب الايراني ، نرى ايران اليوم قد تحولت الى اكبر قوة اقليمية يحسب لها العالم وفي مقدمته “آلهة” عشقي الف حساب ، فايران البلد الاقوى والاكثر امنا واستقرارا ، في محيط من الحروب والدمار والوفوضى ، ومرد هذه الحالة يعود الى حكمة ودراية قادتها ، والى استقلال قرارها ، والى الوعي الوطني والديني الذي يتمتع به ابناء الشعب الايراني ، والى الحرية التي يتمتع بها كل الايرانيين ، بغض النظر عن الانتماء القومي او الديني او الطائفي ، فجميع حقوق الايرانيين كفلها الدستور الايراني ، بالشكل الذي لا يخطر على بال العديد من الدول العربية التي تحاول بكل ما اوتيت من اموال نفطية ، ان تجد ثغرة في الجدار الوطني العالي لايران.

وقبل كل هؤلاء كانت فيتنام ، التي اذاقت امريكا ذل الهزيمة والعار ، رغم الفارق الهائل بالقوات العسكرية والامكانيات الاقتصادية والمادية الضخمة ، وقدمت للعالم اجمع درسا في الكرامة والعزة ، وهو درس لا يمكن ان يتعلمه امثال عشقي مهما حاولوا ، لسبب بسيط وهو عدم وجود الاحساس بالكرامة والثقة بالنفس لدى هؤلاء.

يبدو ان عشقي لم يقل ما قاله رياء او مدحا ، بل ان الرجل مفتون بشكل غير طبيعي بالقوة الامريكية ، وهو ما يبرر استماتته من اجل التطبيع مع اسرائيل وذهابه اكثر من مرة سرا اليها ، واخر مرة زارها علنا وامام الكاميرات ، لانه يعتقد ان لاعاصم له اليوم الا “اسرائيل”ربيبة امريكا “آلهته” ، لذلك لا يمكن ان يقتنع عشقي بان ما يدور في عقله ليس سوى احلام عصافير ، بل هي بديهيات ، سيأخذها معه الى القبر لا محالة./إنتهی/

شفقنا