أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات و دراسات » “سجين الحرم”: حكاية 200 يوم في سجون بني سعود 2/2
“سجين الحرم”: حكاية 200 يوم في سجون بني سعود 2/2

“سجين الحرم”: حكاية 200 يوم في سجون بني سعود 2/2

في صفحات ملأى بالعواطف والتفكر والتحليل، يسرد الكاتب والناشط السياسي تجربته في سجون آل سعود، في كتابه الذي صدر حديثاً بعنوان: “سجين الحرم: 200 يوم في ضيافة آل سعود”.

يتنقل فيه الكاتب بين دهاليز السجون السعودية وأقبية الأبنية، واصفاً كل ما تقع عليه أنظاره من ظلم وتعذيب وإهانة بحق المعتقلين بأسى ولوعة.

وقد حصل أن تركنا عدة مرات مع قصص آخرين من المعتقلين الذين صادفهم في السجن، والذين تعرضوا للأذى الشديد من قبل جلاوزة النظام السعودي.

يذيّل الكاتب مواقفه وتجاربه في بيت شعري أو عدة أبيات، إلى أن يفرد لها متسعاً وافراً عند انتهائه من سرد قصته التي كتب له فيها النجاة من أيدي الطغاة.

والآن نبدأ مع أول يوم تحقيق للكاتب، بعدما سردنا في الحلقة الماضية كيفية اعتقاله وإدخاله إلى الزنزانة.

جاءه المحققون في ساعة متأخرة من الليل، اقتادوه إلى خارج الزنزانة وأركبوه في سيارة (فان GMC) من الخلف، في مشهدية بعثت في نفس الكاتب شعور عميق بالذلة والإهانة.

وساروا به إلى بناية أخرى تسمى “عمارة التحقيق”، وهي عمارة مكسوّة برخام أخضر وأصفر، وأنزلوه القبو.

هذا القبو فيه آلات تعذيب الصعق الكهربائي، وفيه قوارير الخمر، إذ طالما تفوح رائحة القذارة من المحققين نتيجة تعاطيهم المنكرات.

دخل إلى الغرفة في تمام الساعة 11 مساءً الموافق لـ12 أكتوبر 2005، فجاءه رجل في غرفة صغيرة لا تتجاوز مساحتها أمتار قليلة خالية من كل شيء إلا من طاولة وكرسيين، كرسي للمحقق وكرسي له، وكان كل شيء أبيض من الداخل حتى لون الباب الحديدي، على غير عادة أفعالهم السوداء، كما يقول الكاتب. في هذه الأثناء دخل الغرفة رجلٌ متهندم ذو لحية خليجية، يميل وجهه قليلاً إلى السمرة.

جلس قبالته وبدأ بتوجيه أسئلة اعتيادية له: الإسم، الميلاد، الدراسة وبعض المعلومات العامة. وجاء بدفتر كدفاتر الإمتحان مكوناً من أربعين صفحة تقريباً.

يناقش شفهياً، ثم يكتب سؤاله، ثم يجيب الكاتب، وهكذا بقي الحال خلال الأيام الأولى للتحقيق.

ثم ذهب، بعد أن سلّمه للمحقق الثاني المدعو “بكر العوفي”، وكأن الأخير يعد أكثر خبرة بالتحقيق من الأول وأعلى رتبة، لينتزع ما يظنه أسرار خطيرة من الكاتب.

هنا شرع “بكر” بتوجيه الأسئلة للناشط إلا أن الأخير تعمّد أن لا يجيب على أسئلة المحقق بشكل محدد دون استطراد كي لا يعرّض آخرين للخطر، ومن ثم يحيله للحديث عن مواضيع أخرى لتضييع وقته، فمثلاً حين يسأله عن الدراسة يذكر له العبدلي قصصاً عن المدارس وإدارتها وإلخ.. إلى أن سأله المحقق: “ماذا تريد”.

فانتبه الكاتب ووجد نفسه مضطراً ليكون واضحاً وشفّافاً. فأجابه: “أدعو لتحقيق ثلاثة أمور في بلدي، أولها الحرية، وحرية الكلمة التي أؤتمنا عليها، وكيف نعيش إذا كان أحدنا لا يتنفسها”؟ وتابع، “إن أسمى وأنبل حرية هي ما كان في عهد إمام الهدى علي بن أبي طالب (عليه السلام)، حيث انتشرت الفرق في عهده وأشهرها الخوارج الذين خرجوا عليه بقيادة إمامهم نافع ابن الأزرق، ومع ذلك احتواهم الإمام (عليه السلام) واستوعب حركتهم ولم يتعرض لهم إلا عندما رفعوا السيوف في وجهه فتمت مواجهتهم.

وفي مطلب الكاتب الثاني قال: أريد توزيع عادل للثروة من المال العام، إذ كيف يعقل أن أغنى بلد في العالم أجمع بالنفط يكون فيه مليون عاطل عن العمل؟ أما في الثالث، فطالب بـ”حفظ حقوق الأقليات من الطوائف السنية مثل الأشاعرة والصوفية وغيرهم من طوائف المسلمين كالشيعة والمكارمة والإسماعيلية وغيرهم”.

محاولات التوريط

حينما انتهى الكاتب من الإجابة عن هذا السؤال، حاول المحقق توريطه بملفات أخرى، فشرع في سؤاله عن علاقته بأشخاص إرهابيين، أو ما يعرف عنهم، أمثال ابن لادن.

ولما أصرّ المحقق على انتزاع ما يريده من العبدلي، قال له الأخير أنه سيكتب كل ما يطلب منه شريط أن يضع تحت كل اعتراف لا يريده أنه “اعتراف تحت الإكراه”.

وهنا يبين لنا الكاتب حجم الظلم الكبير الذي يلصق به أشخاص لم يرتكبوا أي جريمة ومع ذلك يضطرون للإعتراف بها تحت التعذيب ثم يحاكمون على أساسها فيمضون سنوات طوال في السجن دون ذنب، ويتعرضون لشتى صنوف التعذيب المرير.

وقد بقي المحقق قابعاً قبالته ينهال عليه بالأسئلة قرابة الخمس ساعات، ومن بعدها جرى إعادته إلى الزنزانة الثلجية التي جاء منها.

وبقي أياماً يؤخذ للتحقيق خلال شهر رمضان المبارك، باذلاً جهده بأن لا ينزلق للحديث عن مشايخ وشباب وقيادات للعمل الإسلامي وقد كتب له التوفيق في ذلك.

بعدها، اجتمع أربع من المحققين للتحقيق معه، بينهم رئيس التحقيق شخصياً وبدأ التحقيق مع الكاتب بلهجة غليظة يتخللها التهديد والوعيد، طالباً منه أن يتحدث عن ارتباطه بالمعارضة في لندن، وأنه جرى رصد اتصالات له معها عبر الانترنت.

فنفى الكاتب كل تلك الأقوال، مؤكداً أنه لا دليل عليها، حتى يئس منه وخرج من الغرفة.

ثم واصل التحقيق مع الكاتب شخص آخر يدعى “أبا زياد”، الذي بذل جهوده هو الآخر لتوريط الكاتب بأعمال لم يرتكبها ولكنه فشل هو الآخر بذلك.

إفساد المعتقلين

يتوقف العبدلي عند سرد عدة قصص للمعتقلين الذين التقى بهم في السجن، ولعل أبرزها قصة الشاب اليمني عماد الذي كان يبلغ من العمر آنذاك 19 عاماً.

عماد هذا اختطف دون أن يعلم السبب، فمكث في السجن لسبعة أعوام، دون أي مسوغ شرعي أو قانوني، تنقل خلالها بين عدة سجون من الرويس، إلى ذهبان، ثم الطرفية بالقصيم، ثم الدمام، حتى خرج من السجن فاقداً عقله.

يقول الكاتب أنه أدمن المخدرات وحبوب الهلوسة في السجن، إذ يتعمد جلاوزة النظام توفير المنكرات للمساجين حتى يفقدون عقولهم، ويتورطون بها.

وقد كان ذلك يتم في عهد محمد بن نايف وزير الداخلية آنذاك والذي يحاول البعض في الوقت الحالي تلميع صورته، والمطالبة حاكماً على البلاد.

إلى الحرية

وأخيراً، يخبرنا الكاتب أنه عزم على عقد إضراب جماعي مع أصدقائه في السجن.

وللإضراب عن الطعام له أساليبه في السجن فإما أن يرد السجين الطعام أو يمتنع عن أخذ المصروف الذي يصرف له لأجل الحصول على طعام.

وقد قرر العبدلي الإضراب عن الطعام أول مرة لكنه فشل، إذ تدهورت صحته سريعاً فأخذ إلى المشفى وأعطي مغذيات، إلا أنه عاد وحاول مرة أخرى، فنجح فيها.

وقد استمر الإضراب لعدة أيام مع أصدقائه المعتقلين، رغم التهديد والوعيد الذي تلقونه من قبل الضباط والمحققين بالتعرض للأهل، حتى أجبروا إدارة السجن على إطلاق سراحهم.

وفي الختام، لم يتوانَ الناشط عن توجيه الملامة للشعوب التي تعيش في ظلال حكم استبدادي، معتبراً أن الصمت وحب الأنا والخضوع للحاكم المستبد، مكّن أركان الطغاة وأحكم قبضتهم.

ويرى أن مشاكل المسلمين تصاعدت منذ أن أسلمت الأمة قيادها للجبارين المجرمين، الذين جثوا على رقاب المسلمين وأمعنوا فيهم قمعاً وإذلالاً.