أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات و دراسات » “رؤية السعودية 2030”: الليبرالية الاجتماعية والتوحش السياسي
“رؤية السعودية 2030”: الليبرالية الاجتماعية والتوحش السياسي
الكاتب والباحث السياسي الدكتور فؤاد إبراهيم

“رؤية السعودية 2030”: الليبرالية الاجتماعية والتوحش السياسي

في عصر السرعة والتحولات الإجتماعية والسياسية، لا تبدي أنظمة الخليج، وفي مقدمتها النظام السعودي، أي مرونة في التعامل مع ضرورة إحداث تغيير ينسجم مع تطلعات السكان.

حتى التحوّل الذي تحاول تظهيره على أنه يلبّي متطلبات المكونات السكانية، هو حقيقةّ ينبثق عن رؤية النظام حصراً، وتدور مفاعيله في فلكه.

يجتهد النظام السعودي الذي شيّد نفسه بنفسه، في تثبيت قوامه عبر دعائم القوة العسكرية والأيديولجية الدينية، بعيداً عن أي عملية سياسية تمنح الناس حق المشاركة في تحديد شكل النظام وسلطاته.

وفي هذا الإطار أعدّ عضو الهيئة القيادية في حركة “خلاص” الدكتور فؤاد إبراهيم، بحثاً يتناول تشريح النظام القائم حالياً في “السعودية”، بأبعاده السياسية والإقتصادية والثقافية والإجتماعية، مستعرضاً خلفيات وأهداف “رؤية 2030” التي أعلنها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، مع مجيئه عام 2017.

تحت عنوان رؤية السعودية 2030″: الليبرالية الإجتماعية والتوحش السياسي، تحدّث الدكتور إبراهيم، عن كيفية نشأة العقد الإجتماعي في “السعودية”، وسائر دول مجلس التعاون الخليجي، مبيناً أنه جاء وليداً لجملة من الظروف الإقتصادية والإجتماعية والثقافية، فيما بقيت المكوّنات السكانية خارج نطاق التأثير على تشكيل الكيانات السياسية وشكل السلطة القائم وتعيين الحكام.

وبالتالي في حالة “السعودية”، تشكّلت السلطة وفق منطق القوّة العسكرية مدعومةً بالمؤسسة الدينية التي رسّخت أيديولوجيات خاصة في الثقافة الشعبية لضمان انصياع الناس لقرارات السلطة مهما كانت.

وهكذا نجحت ثنائية الديني – السياسي بالسيطرة على الحكم داخلياً، فيما جرى اجتلاب الحماية الأمريكية لتأمين الحماية الخارجية.

وفي ظل تركيبة السلطة السياسية في “السعودية”، تبرز إشكالية مدى ضبط مديات الليبرالية الإجتماعية في عصر السرعة والتحوّل، فهل تكون السلطة السياسية وحدها من يقرر شكل التحوّل الإجتماعي؟

وبالتالي، هل ستظفر خطة التحوّل الوطني السعودية بالليبرالية الإجتماعية والثقافية؟

انطلاقاً من برنامج التحديث الذي بدأ عام 1970 أو ما بعرف بـ “الخطط الخمسية”، يشرع إبراهيم في الإجابة على تساؤلات الإشكالية، بكونها مرتكز أساس لفهم طبيعة التحدّيات التي واجهت المنظومة السياسية والإجتماعية والسياسية في “السعودية”، بالإضافة إلى العواقب التي خلصت إليها.

بدايةً نبّه إلى أن تجربة “التحديث” تقوم على الفصل بين التكنولوجيا والأيديولوجيا، وبين التحديث (البنى التحتية) والحداثة (البنى الفوقية)، في محاولة من السلطة لتقليص الآثار السياسية للتحديث إلى حدودها القصوى.

ثم انتقل إلى ذكر التغييرات الهيكلية في الجهاز البيروقراطي، سيما المؤسسة العسكرية التي شهدت سلسلة من المحاولات الإنقلابية، كان آخرها محاولة الإنقلاب سنة 1969، بالتزامن مع انقلاب ليبيا وبالأهداف نفسها، شارك فيها ضبّاط كبار من القطاعات العسكرية كافة، ولا سيما سلاح الجو الذي كان في طليعة القوة المشاركة في الانقلاب وتسبب في تعطيل القوة الجوية بالكامل.

أراد الباحث من هذا العرض إظهار أن تجربة التحديث في “السعودية” كشفت عن ضعف المناعة الأيديولوجية لدى النظام السعودي، فأدى ذلك في مراحل أخرى إلى توليد منظومة فكرية جديدة تختاف تماماً عن المنظومة الفكرية للنظام السعودي.

بدا ذلك بوضوح في تجربتي “الجماعة السلفية المحتسبة” بقيادة جهيمان العتيبي التي برزت في الستينيات وبلغت ذروة فعلها الثوري في 20 نوفمبر/ تشرين الثاني 1979 بإقتحام الحرم المكي والإعلان عن حركة عصيان مسلح ضد النظام السعودي.

ثم ولد في المنطقة الشرقية حراك مماثل ذات طابع سلمي عرف بـ “إنتفاضة محرم” في نوفمبر/ تشرين الثاني 1979، التي جاءت بعد أيام من إخماد حركة العتيبي.

جاء اعتراضاً على التمييز السياسي والإهمال التنموي والعمراني والتهميش الإجتماعي الذي كانت تشهده المنطقة ذات الأغلبية الشيعية.

وعليه، تمكنت الحركتين من شق قناتي وعي لدى أشد المكونات السكانية مراساً (المكوّن السلفي/الوهابي والمكوّن الشيعي)، ولا تزال إلى الآن مفاعيل الوعي والعمل لدى المكوّنين السلفي والشيعي متّصلة.

فالسلفية أنتجت في مراحل لاحقة تيار الصحوة الذي تناسل منه القاعدة ثم داعش، أما الشيعة فقد أسسوا حركات إعتراضية منظمة: منظمة الثورة الإسلامية في الجزيرة العربية، حزب الله الحجاز، وصولاً إلى “انتفاضة الكرامة” في العام 2011 وتداعياتها التي لاتزال قائمة حتى الآن، بحسب إبراهيم.

من هنا، ينطلق الباحث للحديث حول “رؤية 2030” مستعرضاً دوافعها، وأهدافها.

يُثبّت إبراهيم أولاً أنه ثمّة أزمة مركّبة كانت مسؤولة عن مهمة إنقاذية للإقتصاد كما للدولة بكامل حمولتها، حتى سارع النظام السعودي لوضع هذه الرؤية.

الدافع الأول:

كان بحسب الناشط السياسي الخوف من خطر الإفلاس، فتوقعات صندوق النقد الدوليّ أفادت بأن عجز موازنة السعودية للعام 2016 قد يصل إلى 150 مليار دولار.

وفي تقرير صادر عنه في 27 أكتوبر/ تشرين الأول من العام 2015، ذكر أن “السعودية”، من بين دول شرق أوسطيّة أخرى، سوف تعاني من الإفلاس خلال خمس سنوات بسبب الهبوط في أسعار النفط.

الثاني:

وهو انهيار أسعار النفط، الأزمة التي ولدت عام 2014 حين فقد خام برنت 44 بالمئة من قيمته، متوسط قدره من 110 دولارات أمريكية للبرميل بين يناير/ كانون الثاني 2011 يونيو/ حزيران 2014 إلى مستوى 29 دولار أمريكي في يناير 2016 وبمتوسط 50 دولار فقط منذ العام 2015، بالإضافة إلى خديعة الإحتياطي النفطي، كما يوضح الكاتب.

الإعلامي البارز توقف عند خديعة الإحتياط النفطي ليشرح بإسهاب لعبة المكر التي أوهمت العالم أن “السعودية” هي الخزّان النفطي الأكبر والأطول عمراً.

فبحسب التقديرات تملك “السعودية” ربع الإحتياطي العالمي من النفط، وثلث الإحتياطي من نفط الخليج، وإن آخر برميل سوف يباع في الأسواق سوف يخرج من “السعودية”.

لكن الواقع أعطى دلالات تقود إلى نتائج مختلفة تماماً عن تلك التي تسوّق لها السلطات السعودية.

فقد خلص رئيس شركة النفط الايرانية علي بختياري في العام 2003 إلى أن “السعودية” أنتجت حتى ذلك التاريخ نحو 100 مليار برميل من النفط، وبالتالي فهي تقترب من منتصف الطريق من احتياطيها الثابت البالغ 260 مليار برميل وهو الأعلى تقديراً قياساً إلى تقدير آخر يعود الى العام 1999 بنحو 170 مليار برميل.

وإذا كان معدّل الإنتاج السنوي 3 مليار برميل، فإن العمر الإفتراضي للنفط في “السعودية” سوف يكون خمسين سنة على أعلى تقدير.

أما الجيولوجي المتخصص في الصناعة النفطية ماثيو سيمونز مؤلف كتاب “Twilight in the Desert” (شفق في الصحراء) عام 2005، فقد أكد أن بعض حقول النفط الرئيسية شرقي “السعودية”، هي في أيامها الأخيرة من الإنتاج، مثل حقل بقيق والذي نضب بنسبة أكثر من 70 بالمئة، وحقل الغوار، والذي يعد ملك ملوك جميع حقول النفط، وقد نضب بنسبة تتجاوز أكثر من 60 بالمئة.

المفارقة التي يشير إليها الكاتب هنا، أن وزير البترول الأسبق علي النعيمي أعلن في 28 ديسمبر/ كانون الأول 2004 عن إمكانية زيادة احتياطي البلاد من النفط الخام إلى 461 مليار برميل خلال السنوات القادمة.

وبعد مرور 14 عاماً على إعلان النعيمي، عادت أرامكو لتعلن في تقريرها السنوي الصادر في أغسطس/ آب 2018، أنها تحتفظ حتى نهاية العام 2017 بنحو 260.86 مليار برميل من النفط الخام والمكثفات، أي بأقل من 200 مليار برميل عن الرقم الذي أعلنه النعيمي، وهو ما يعلن حقيقةً زيف الإدعاءات السعودية حول إمكانيات البلاد النفطية.