أخبار عاجلة
الرئيسية » آراء و تصریحات و تغریدات » خواطر حول الحراك الشعبي في الأحساء والقطيف ٢٠١١م
خواطر حول الحراك الشعبي في الأحساء والقطيف ٢٠١١م

خواطر حول الحراك الشعبي في الأحساء والقطيف ٢٠١١م

الشيخ جاسم المحمد علي ـ مرآة الجزيرة “

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَٱعْلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِۦ وَأَنَّهُۥٓ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ”

في هذه الأيام نعيش الذكرى العاشرة لانبعاث انتفاضة الكرامة المجيدة التي انطلقت من ساحة المنطقة الشرقية، لما تعيشه هذه المنطقة، بشكل واضح، من استبداد النظام، وديكتاتور ية السلطة، وغياب للعدالة والمساواة.

فمن واقع التجربة السعودية المقيتة تفجرّت هذه الانتفاضة، وانبعث حراكها الحي؛ رفضًا للواقع القائم والقاضي بالتمييز الطائفي والمناطقي ضد الأقليات الشيعية، وتزامنا مع تنامي الوعي السياسي والثقافي لدى أبناء المجتمع المؤمن الذي بدأ يصيغ ذاته ومفاهيمه وفقا لصعود محور الخير والحق والفضيلة.

وما يجدر التنبيه عليه هو أن عقدًا كاملا مضى على الحراك الشعبي، لكن الذاكر لازالت حية بالكثير من المشهديات والمواقف والتفاصيل التي سطّرها أبناؤها المضحون وشهداؤها الأبرار.

الحراك الشعبي جاء في سياق تاريخي طويل من الصراع المستمر بين المكون الشيعي والنظام السعودي الذي يمارس الظلم والحرمان والتهميش لهذه الطائفة، لكونها تطالب بكرامتها ومستحقات هويتها الدينية.

أهمية هذه الذكرى تكمن في استحضار قيمها وأهدافها، بالشكل الذي يحولها إلى مصدر شحنٍ روحي قادر على انتاج المماثل الثوري لها في المراحل الحالية واللاحقة؛ سعيا نحو الكرامة والسيادة والعدالة.

في هذه السياق تتوالف مجموعة من المفاهيم والقضايا والتصورات ذات الصلة بالذكرى، وهي عديدة، من أبرزها

: 1- تكريم هذه الانتفاضة، هو تسجيل تاريخ جديد، وتأكيد على تقدم الوعي الشعبي بصورة عامة، لادراكه لفساد النظام وظلمه السياسي والاجتماعي.

الاحتفاء بالانتفاضة في فلسفته العامة، هو ايصال رسالة لمجتمعنا بأنه يملك مخزونا نضاليا قائما على التحدي والإرادة، ويدفعه نحو صناعة التاريخ والاجتماع.

هذه الانتفاضة شكلت في حجمها ووعيها وزخمها، شكلت مفصلا أساسيا في تاريخ النضال ضد النظام السعودي، ورسمت معالمَ مرحلةٍ جديدة على الصعيد السياسي والاجتماعي، لذلك نحن مدينون لكل من ساهم في اشعالها، واعتقل في حركتها، واستشهد من أجل أهدافها.

في هذا الإطار، من أهم سبل تكريمها، هو الحفاظ على جذوة الرفض للظلم والطغيان، والثبات على خط الوعي والإيمان والعمل، والاستعداد لتقديم الغالي والنفيس في سبيل الحرية والكرامة.

فهذه الانتفاضة تمثل في أدبياتنا العقائدية والأخلاقية مشروعا جوهريا للوصول إلى معالي الرفعة والكمال، وهذا الأمر هو الذي يجعلها موصولة بثورة الأحرار ضد أصنام الاستكبار والاستعباد في ساحة الوجود والدنيا.

 2- أن انبعاث هذا الحراك الشعبي من المنطقة الشرقية ذات الأغلبية الشيعية، والتي تعتبر مركزا اقتصاديا عالميا، لم يكن متوقعا لدى أقرب المطلعين للشأن السياسي والاجتماعي؛ لأن السيطرة الأمنية للسلطة كانت حاضرة وقوية ومخيفة، لكن طبيعة الاستبداد السياسي، ونسق السياسات التمييزية والتفريقية، وظروف الثورات الجارية في المنطقة، راكمت أسباب متنوعةً أحدثت انفجارًا شعبيا مفاجئا لكل الحسابات السياسية والاجتماعية.

من هنا في مطلع 2011 خرج الآلاف من الناس، يرفعون شعارات اصلاحية ومطلبية، على رأسها الافراج عن السجناء المنسيين، ورفع التمييز الطائفي، والتضامن مع ثورة البحرين الشعبية. فتطورات الصحوة الإسلامية في المنطقة رفعت من وتيرة التمرد والاحتجاج السياسي.

لا يخفى أن أبرز الأصوات المنددة بالاستبداد والديكتاتورية وغياب العدالة، كان هو الشهيد النمر الذي مثل روح هذا الحراك ورمزه، حيث تصدى بكل جرأة وشجاعة وفداء لرفض قمع السلطة للشعب، ولم يرضخ لكل تهديداتها ووعيدها.

استكمالا لما سبق، يظهر للمراقب ان الحراك الشعبي كان مفصحا أمينا على المخزون الاحتجاجي المتراكم منذ عقود لدى الناس ، وعاكسا صافيا لحيوية المجتمع في ردة فعله على المظالم السياسية والإنسانية التي عانى منها منذ قرنين من الزمن، أي منذ تجربة الحكم السعودي الأول.(١)

3- كان الرائد الأساس والأول في هذا الحراك، هو المكون الشيعي، الذي تفاعل بصورة تلقائية مع أوضاع الصحوة الإسلامية في المنطقة ، لأنه ينسجم مع ثقافته وتطلعه نحو دولة العدالة والوحدة والمساواة.(٢)

هذا التفاعل مع الثورات التغييرية في المنطقة، ليس من منطلق انتفاء العوامل الداخلية المحركة للانتفاضة والاحتجاج، بل تعني أن هذه الثورات كانت سببا في اشعال الشعور المتراكم بالمظلومية، وضرورة التغيير، وأهمية الاصلاح، في سبيل الوصول إلى العيش الإنساني الكريم.

المكون الشيعي عندما يتصدى للمشهد الاعتراضي والتغييري، ذلك لأنه يعاني من السلطة السعودية التي تحاول بشكل حثيث لإلغاء وجوده معنويا وثقافيا وسياسيا في كافة الميادين التنموية والاجتماعية.

باعتبار أن الطائفة الشيعية تقطن في منطقة تشكل شريانا حيويا لاقتصاديات البلاد والمنطقة والعالم، هذا الأمر الذي ضاعف من حدة الشعور بضرورة التمرد والمواجهة.

كما أن هذه المرحلة الحية أنجبت جيلا متنورا لديه رؤى واعية صاغت فكره وثقافته، وعاش حوادث اقليمية رفعت من معنوياته وروحياته، وشاهد سقوط حضارة ونهوض اخرى، وهو لازال يعيش تحت وطأة نظام يحكم وفق منطق الجاهلية المقيتة؛ فمن الطبيعي أن الشباب الذي يعيشون التمييز والتهميش في ظل التطورات السياسية والثقافية الحاصلة في المنطقة أن يشعر بضرورة الإصلاح والتغيير، خصوصا عندما يرى أن النظام يتعامل مع قضية الانتماءات الدينية والفكرية بمنطق أحادي، ويعدها مشكلة، ويصر على تفسير المعارضة الشيعية التي انطلقت من عمق الألم والجراح، وانتهجت اسلوبها مسؤولا وواعيا ووحدويا في قضيتها ورسالتها، يصر هذا النظام على تفسيرها بأنها مولود لأجندة خارجية، بعيدا عن حاجات الداخل وهمومه ومشكلاته٠٠(٣)

فمن الطبيعي في هذه المعادلة أن تتصدر المعارضة الشيعية مشهد الرفض والتمرد والمواجهة، طبعا في ضمن حفاظها الواعي على نسيج الوحدة ، وتحركها البصير في أفق القضايا المشتركة بينها وبين المعارضة ذات الانتماءات المذهبية الأخرى  ..

4- لا بد التأكيد على حقيقة بدت أقوى رسوخا، وهي أن قناعة أبناء الحراك بصوابية خيارهم النضالي، باتت أعمق وأشد وأنضج، وإن تراجع الحضور على صعيد المسيرات الشعبية العامة، بفعل الضغط الأمني، فهذا التراجع في الحضور لا يعني تخليا أو تنازلا عن القضايا المشروعة التي حملوها مع أرواحهم، وقدموا في سبيلها شهداءهم، وإنما الوضع الأمني قد يبطيء وتيرة الحراك، وينقله إلى خيارات أخرى، لكنه لن ينجح في اخماده، خصوصا مع كثرة الخيارات المعبرة والموصولة بمظاهر الحراك والانتفاضة والمواجهة؛ لأن انهاء المعارضة بأشكالها المختلفة، يتطلب تدابير تتجاوز الآلة الأمنية، وتنفذ إلى مساحة كي الوعي وتجميده، وهذا يستحيل على الشعب والأمة التي تملك عقيدة راسخة بأحقية قضيتها وقيمها ومبادئها.(٤)

5- لم يعد العمل النضالي الممانع في الوقت الراهن خيارًا، ولا نزهةً، بل بات ضرورة وجودية للحفاظ على الدين والإيمان والقيم، فالسلطة السعودية بقيادتها للمشهد التطبيعي، وتدميرها للعالم الإسلامي، وجنوحها نحو تمييع الهوية، وتفتيت المجتمع، قد تجاوزت الخطوط الحمر على المستوى الأخلاقي والثقافي والديني، وعلينا أن نحدد الأولويات في الساحة الاجتماعية بالطريقة التي تأخذ بعين الاعتبار أن العهد السلماني، صار عهدا يصدّر الوباء الأخلاقي والاجتماعي، ويواجه بجهازه الاستخباري والاعلامي الناعم، كل عمل ثقافي، وكل نشاط توعوي، وكل حراك ديني ناهض، ليجعل المجتمع يرزح تحت وطأة الاستسلام والضعف والانحلال .. بينما ديننا المحمدي الأصيل يدعونا إلى احياء قيم العزة والكرامة والإرادة، بوصفها استجابة لرسالته، واندماجا مع خطه وقضيته، هذه الرسالة التي تهدف إلى صنع الإنسان ومنحه الحياة الكريمة اللائقة به، من خلال تنشيط هذه القيم الإلهية، وتحويلها إلى مرجعية فاعلة في فضاءات المجتمع، وتحطيم كل من يعمل على تجميدها وتحنيطها (يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَٱعْلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِۦ وَأَنَّهُۥٓ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ).

وفي النهاية لا ننسى بأن نتقدم أجزل الشكر والتقدير لأبناء الحراك، أبناء مجتمعنا المضحي والمجاهد على اخلاصهم وصدقهم واستمرارهم في خط المطالبة بحقوقهم، كما لا يفوتنا أن نتقدم مشاعر المواساة لأهالي الشهداء الذين جسدوا أروع مشاهد الثبات والشجاعة بصبرهم ورباطة جأشهم، وفي الأخير نسأل الله أن يفرج عن المعتقلين داخل السجون، وبأن يلهمهم الصبر ووينزل على قلوبهم السكينة …

(١) حوار حول الحراك الشعبي: موقع مرآة الجزيرة

(٢) نفس المصدر

(٣) انتفاضة الكرامة ومستقبل النظام السعودي، موقع مرآة الجزيرة

(٤) حوار حول الحراك الشعبي، موقع مرآة الجزيرة.

مرآة الجزيرة http://mirat0035.mjhosts.com/42900/