أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات و دراسات » خاص| تأملات في خطاب مواجهة الطغيان للشيخ الشهيد نمر النمر
خاص| تأملات في خطاب مواجهة الطغيان للشيخ الشهيد نمر النمر

خاص| تأملات في خطاب مواجهة الطغيان للشيخ الشهيد نمر النمر

زينب فرحات – خاص مرآة الجزيرة

لم تكن شجاعة الشيخ نمر النمر خافيةً على أحد في مواجهته للنظام السعودي بالدليل والبيّنة، فلقد كان يمثّل بشخصه فقط حالة ثورية تتصدّى لطغيان آل سعود.

عرفته المنابر منذ انطلاقته حرّ الكلمة وصلب الموقف، جعل من كلام الله وأوليائه دليلاً يهتدي به ويهدي من هم حوله، لم يعرف المهادنة مع آل سعود، ولا المسايرة بل هتف بكلمات الحق التي هزّت عروشهم أن اسمعوا فالشعب لا زال حيّاً.. تعبوا هم ولم يتعب من مواجهتهم، خافوه، ولم يخف من سلطانهم.. اعتقلوه.. عذّبوه.. قتلوه.. لكنهم لم يمحوا ذكره.

بالبداية، لنكن منطقيين.. إن نظاماً كذاك الذي في “السعودية” لن يدوم، منطقياً لا يمكن أن يدوم.

الأسباب كثيرة وأبرزها أنه لا يمتلك أقل مقوّمات الإستمرار.. لذا كان معهوداً على مر العصور، أن تسقط الديكتاتورية المطلقة ويسقط معها الديكتاتوريون.

هذا بديهي جداً.

بل ربما التوصيف الأدق أن الإستحواذ المطلق على السلطة عندما يصل لمرحلة الذروة يبدأ بالإنحدار التدريجي، نتيحة التآكل الذي يصيبه من الداخل مهما حشد حوله من مطبّلين ومهما امتلك من وسائل ومنصات إعلامية، نهايته ستكون السقوط لا محالة.

عندما نتحدث عن النظام في السعودية وللحق شخصياً أستكثر كلمة نظام، بل لنقل منظومة حكم.

فنحن نعني بذلك مجموعة من القراصنة اجتمعوا مع بعضهم البعض وسرقوا أرض شاسعة تدعى الحجاز، قتلوا أهلها وأرهبوا من بقي حياً فيها، ثم اغتصبوا الحكم دون أدنى حد من الشرعية، وراحوا يتداولون مناصب السلطة جيلاً بعد جيل مستحوذين على كافة أواصر البلد، وثرواته، التي تذهب عائداتها على مصاريف الأمراء والملوك.

ولذلك كما جاء آل سعود إلى الجزيرة العربية بقي شكل الحكم على حاله، قمع، مطاردة، نهب، استيلاء، طرد، قطع رؤوس على تهم مفبركة وهكذا دواليك.

حتى بلغت الوقاحة إلى حد أنهم يكذبون الكذبة ثم يحاسبون عليها.

يعني أنهم يلصقون الإتهامات بفردٍ ما ثم يقتلونه، أو يبثون الإشاعات والفتن بين الناس ليأتونهم بوجه المخلّص لخلق المزيد من التفرقة والتناحر الداخلي.

وسط مشهدية هذا النوع من الحكم، سطع نجم الشيخ نمر النمر العابر للطوائف والإنتماءات.

برز بهيئة الإنسان المقاوم للظلم وليس بهيئة رجل الدين الشيعي، بالرغم من كل محاولات النظام لخلق الإصطفافات الطائفية.

من هنا انطلق سماحته ومدّ يداه لأخيه السني المظلوم كالشيعي في كل شيء، في سلب الحريات ومصادرة الآراء، وفي حرمانه من حقوقه كمواطن، وبالإستيلاء على أرضه وثرواته.

ولذلك كانت أسس المواجهة بين الشيخ النمر والنظام السعودي، تقوم على هدم سياسات التفرقة التي أنشأها بين الناس حتى يظلوا متشابكين ببعضهم البعض، فينسون استبداده وفساده.

ومن هنا راح يخيط أولى ثقب التفرقة بخيوط العقلانية والدعوة للإتحاد في وجه الظلم. ولعل أبرز الشهادات على جهود الشيخ الشهيد في هذا المضمار، خطبة 9 مارس 2012، يوم قال: “مشكلتنا ليست مع التمييز الطائفي، لأنه نتيجة لسياسات النظام.. بل مشكلتنا مع التمييز السلطوي، ذلك أن التمييز الطائفي هو صنيعة السلطة ليبقى الشيعة يتشاجرون مع السُنّة وكلاهما يحتاج للسطلة والشعب معتدى عليه في حين يبقى الحاكم متسلّط على الطرفين”.

وتابع: “النظام يقول للسنة هؤلاء الشيعة كفار تعالوا نساعدكم لتقفوا ضدهم، ثم يأتي يقول للشيعة أنتم أقلية هنا وإذا فتحنا للسنة مجالاً سيأتون ويقتلونكم.

وبالتالي نتصارع ببعضنا بينما السلطة هي المسيطرة على الجميع” مردفاً: “لا يعني ذلك أن لا نختلف على العكس تماماً بل من المفيد للسنة والشيعة انتقاد أفكار بعضهما البعض لكن على أن يكون ذلك بالدليل والبرهان فثمة فارق كبير بين الإختلاف الفكري والحالة العدائية”.

لقد أعاد الشيخ النمر بلورة العديد من الأفكار والحقوق التي كادت أن تُنسى في الوعي الشعبي، ولربما نُسيت حقاً.

كالحق في قول “لا” لمن حكم جوراً وطغياناً في الأرض. هي كلمة سهلة بالفعل، لكنها في بلد كالسعودية ليست كذلك بل لها تبعات ونتائج خطرة قد تصل إلى حد القتل.

بل غالباً ما تكون هذه النتيجة البديهية لها.

أما عن شجاعة وبسالة الشيخ فقد تخطت هذا المستوى من الرفض لينسف أصل صحّة وجود آل سعود في أرض الجزيرة العربية، متحدياً بذلك كل المطاردات والتهديدات والمخاطر المحدّقة به، من قبل أجهزة ومخابرات آل سعود.

وفي 11 نوفمبر 2011، اعتلى سماحته المنبر وصاح بعدم شرعية حكم آل سعود للبلاد وعدم حلّة ولايتهم، قائلاً: “هذه الولاية هي لله وللرسول ولآل بيته، ولمن يحمل الراية من بعدهم ويسير على نهجهم من العلماء الربانيين وكل ما دون ذلك لا ولاية له، فنحن نتولى الله ورسوله وآل بيته فقط ولا نتولى حاكم أبداً.

السلطة لا تعطي الولاية ولا تعطي شرعية للولاية لأن هذا يعطى من الله فقط ولا يجعل الله ولاية لظالم” وتابع “صريح القرآن أن الظالم ليست له ولاية (ولا تركنوا للذين ظلموا فتمسكم النار).

متسائلاً “من هو هذا الوطن أهو هذا النظام الذي يظلمني؟ يسرق مالي ويسفك دمي؟ وينتهك عرضي؟ الولاء لله ولمن جعله الله ولياً فقط لا لآل سعود ولا لأي دولة أخرى”.

لقد ركّز الشيخ الشهيد أيضاً على سوء إدارة البلاد، وعدم إشراك الشعب في عملية الحكم حيث قال في 22 يونيو 2012: “لو ثمّة مدير في شركة ما، كبر وأصبح عاجزاً عن الإدارة تلقائياً يُحال إلى التقاعد فماذا الحال لو كانت دولة كاملة فيها شركات ومؤسسات يحكمها ملك أصبح عاجزاً فلماذا لا يُحال للتقاعد؟”.

وأردف: “نايف لا يُحال للتقاعد أهل يجب أن يأتي ملك الموت ليسلب روحه حتى يرتاح الشعب؟ إذاً إلى متى السكوت بأي حق سلمان يعين ولي عهد ونحن صامتون، أيها السّنة لماذا لا تردّون عليهم.. ردّوا عليهم احيوهم حتى يحيكم الله جزاكم الله خيراً نسأل الله أن يجعلنا ممن يقل كلمة حق أمام سلطان جائر ولو كان فيها دمنا فبدمنا حين نستشهد تنمو وتكبر وتينع شجرة الكرامة والعدل والحرية”.

كما تناول الشيخ النمر سياسات البطش وسفك الدماء والإفقار التي تنتهجها السلطات السعودية، مستنهضاً روحية الشباب الثوري للإقدام والمواجهة حتى لو كانت النتيجة الاعتقال أو القتل، فقد جاء في خطبته في 22 مارس 2012: “آل سعود يتمتعون بالملك وبسفك دماء الناس، أسينفعهم ذلك في أبواب جهنم المفتوحة لهم؟ لذلك نحن لا نخاف مهما قتَلوا وجَرحوا واعتَقلوا.

نحن بمشيئة الله أبواب الجنان مفتوحة لنا وأبواب جهنم مفتوحة لآل سعود المجرمين الذين يستحوذون على السلطة.

ودماء شهدائنا الذين يبحثون عن الكرامة والعزة والحرية والعدالة رافضين للإستعباد حتى يتحرر المجتمع من حكم آل سعود الذين أفقروا الناس غالية جداً”.

وعندما استخدمت السلطات السعودية كل أساليبها لمحاربة التظاهرات السلمية عبر شيطنتها ومحاولة إظهارها على أنها قوة ضاربة بأمن واستقرار البلاد، كشف سماحة الشيخ كل مؤامرات السلطة التي كانت ترمي إلى استدراج الشبان نحو الإقتتال الداخلي، وواجهها بالبرهان والدليل ليشدد في 8 نوفمبر 2011 على أن: “من أثار الفتنة وأثار الشقاق والشغب هي السلطة الحاكمة وقواتها الغاشمة”، وذكر أنه “قبل ذلك كانت السلطة تستفز الناس عبر إطلاق الرصاص على المتظاهرين دون ذنب، ويدهسون الناس بسياراتهم.

فكم وكم شخصاً دُهس وآخر أُطلق عليه الرصاص وكم من تعرض لإستفزاز في نقاط التفتيش؟ هذا فضلاً عن الإعتقالات والمطاردات… إذا يريدون إخماد الفتنة فليفرجوا عن المعتقلين، وليعطوا الناس حقوقهم وليخرجوا أيضاً قوات درع الجزيرة من البحرين”.

في مسألة المواجهة، العبرة ليست في من يبقى حياً أو يرحل، لأن الحياة لا تدوم لأحد والموت هو المصير المحتوم لجميع الناس لا محالة.

إنما العبرة في العيش، وتحديداً في كيفية العيش، فإن الشقي هو من ظلم الناس واغتصب حقوقهم، أما من ناصر الناس وواجه الظلم وقدّم حياته قرباناً لنصرة القضايا المحقّة فهو الحيّ المنتصر.

مرآة الجزيرة http://mirat0034.mjhosts.com/37353/