أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات و دراسات » #ترامب وصناعة الاستبداد في #المملكة والمنطقة.. عادة #أمريكا السيئة
#ترامب وصناعة الاستبداد في #المملكة والمنطقة.. عادة #أمريكا السيئة

#ترامب وصناعة الاستبداد في #المملكة والمنطقة.. عادة #أمريكا السيئة

في العام 1979، كتبت الدبلوماسية الأمريكية جين كيركباتريك، التي كانت حينذاك أستاذةً بجامعة جورج تاون، مقالاً نشرته مجلة كومنتاري بعنوان “الديكتاتوريات والمعايير المزدوجة”، قالت فيه إن الولايات المتحدة أصبحت سلبية للغاية في العالم.

هذا ما أشارت إليه مجلة فورين بوليسي الأمريكية، في تقرير نشرته أمس الأول الثلاثاء للكاتب ستيفن كوك، حول الأسباب التي تجعل الولايات المتحدة الأمريكية مُحبَّةً للحكام المستبدين، وترجمه الخليج الجديد.

أشارت المجلة إلى المكالمة الهاتفية التي جرت الأسبوع الماضي بين الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب مع اللواء الليبي المتقاعد خليفة حفتر “المدعوم من الإمارات والسعودية” والذي يحاول السيطرة على طرابلس العاصمة والإطاحة بحكومة الوفاق المعترف بها دولياً. وفي المكالمة تبادل الطرفان أطراف الحديث عن الحاجة إلى تحقيق السلام والاستقرار في ليبيا، واعترف ترامب “بدور حفتر المهم في مكافحة الإرهاب وتأمين موارد النفط الليبية، وجهود انتقال ليبيا إلى نظام سياسي مستقر وديمقراطي”.

وتورد المجلة أنَّ وجهة نظر الإدارة الأمريكية هي أنَّ الطغاة الأصدقاء للولايات المتحدة قد يكون لديهم أوجه قصور، لكنهم يستحقون دعم واشنطن، لأنهم أكثر توافقاً مع المصالح الأمريكية، مشيرةً إلى أن المستبدين المؤيدين للولايات المتحدة كانوا أكثر قبولاً للإصلاح من الحركات الثورية التي دافع عنها الاتحاد السوفييتي والليبراليون الأمريكيون.

لقد جاء ترامب إلى منصبه وهو يحمل أفكاراً أساسية حول العالم يجب أن تكون الآن مألوفةً للجميع، منها أن الصين لا يمكن الوثوق بها، وأن حلفاء الولايات المتحدة يستغلونها، وأن المهاجرين يقوضون تماسك المجتمع، وأن النظام أكثر أهمية من الحقوق، وأن الإسلام وأتباعه يميلون إلى العنف، وفقاً للمجلة.

وهذه النظرة قادت الرئيس ترامب إلى احتضان قادة يمينيين شعبويين أو سلطويين استبداديين مثل المجري “فيكتور أوربان”، و”ناريندرا مودي” في الهند، والفلبيني “رودريغو دوترتي”، و”عبدالفتاح السيسي” في مصر، و”محمد بن سلمان” في السعودية، و”حفتر” في ليبيا.

وختمت المجلة بقولها إن احتضان ترامب للطغاة والمستبدين يبدو واضحاً الآن بشكل خاص، لأن هذا هو العصر الذي تتراجع فيه الديمقراطية، في الوقت الذي يناصر فيه ترامب أبرز المسؤولين عن هذا التراجع.

ما ذكرته الفورين بوليسي ليس بعيداً عما سبق وذكره نائب رئيس تحرير صحيفة واشنطن بوست الأمريكية، جاكسون ديل، الذي كتب في مارس/آذار الماضي، أنَّ ترامب سيكون أحد الخاسرين إذا ما اندلعت موجة ثانية من “الربيع العربي”، لأن ترامب راهن على أنظمة الاستبداد كنظام ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، ونظام الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي.

ديل رأى أن الاحتجاجات الجماهيرية في العواصم العربية التي تطالب بتنحي الحكام الفاسدين والعجزة، تبدو كأنها مفارقة تاريخية، فلقد كان الربيع العربي منذ سنوات فقط، ومع ذلك لم ينجح وإنما قاد إلى انقلابات وحروب أهلية أعادت الوضع الاستبدادي القديم، حد تعبيره.

رغم ذلك فإن الاحتجاجات الجزائرية أجبرت الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة على سحب ترشحه لانتخابات الرئاسة، وكذلك في السودان (كُتب ذاك المقال قبل أن يسقط الرئيس المخلوع عمر البشير بانقلاب عسكري في 11 أبريل/نيسان.

كما اعتقد الكاتب أن ابن سلمان والسيسي تخيَّلا أن بإمكانهما اتباع نموذج الاستبداد الرأسمالي على غرار الصين وروسيا، لكنهما لم يتمكنا من إيصال السلع الاقتصادية، لأن الفساد والرأسمالية يؤديان إلى خروج الاستثمارات الأجنبية من السعودية ومصر، مشيراً إلى أن النظامين، السعودي والمصري، أهدرا مليارات الدولارات على مشروعات ضخمة كالمدن الجديدة.

ويعلّق موقع “عربي بوست” في تحليل له الثلاثاء، بأنَّ ما اتخذه ترامب من قرارات حتى الآن وتغييرات جذرية في ثوابت السياسة الأمريكية، وعدم اكتراثه التام بصورة الولايات المتحدة كقوة عظمى تحترم الحريات وحقوق الإنسان وقيم الديمقراطية يعد أحد الأسباب الرئيسية وراء الفوضى التي يشهدها العالم وسقوط الأبرياء ضحايا لأنظمة ديكتاتورية، تشجعت بوجوده وتحركت لدهس معارضيها دون قلق من مساءلة أو احترام لقانون.

ترامب وسحق شعوب الشرق الأوسط

وكان الكاتب سي جاي ويرلمان، المحلل السياسي ومؤلف كتاب “صلب أمريكا”، قد تحدَّث في مقال له نشره موقع ميدل إيست آي البريطاني في وقت سابق من مارس/آذار، عن سياسة ترامب في الشرق الأوسط وقال إن ترامب منح زعماء الشرق الأوسط القمعيين الضوء الأخضر للجوء إلى أي وسيلة ضرورية لسحق شعوبهم المضطربة.

تتمثل عقيدة ترامب في: “فليذهب العمل على تعزيز الإصلاحات الديمقراطية وحقوق الإنسان إلى جهنم”، بحسب الكاتب الذي أضاف أن ترامب تخلى عن أي قيم ديمقراطية تعهدت بها بلاده لمنطقة الشرق الأوسط في الماضي، وأنه يدعم الآن تماماً سلطات الاستبداد في الشرق الأوسط.

ويعتقد الكاتب ويرلمان أن فهم الشرق الأوسط يتطلب فهم مبدأ التوجيه الأساسي الذي يحكم جميع المناورات الجيوسياسية، وأن إعادة تشكيل الشرق الأوسط بشكل استبدادي، تتم في ظل الوعود الأمريكية الاستبدادية التي ليس من شأنها إلحاق الأذى بالأقليات والقوى المؤيدة للديمقراطية فحسب، ولكن أيضاً إطلاق العنان والتمكين لمجموعات التمرد العنيفة.

وفي حين يُعتبر الزعماء العرب اليد الحرة لتنفيذ أي عمل خبيث يرون أنه ضروري لسحق وقتل الخصوم السياسيين في الداخل والخارج، بذل ترامب جهوداً لتوفير غطاء لجريمة قتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي الوحشية، وأمام كل سياسات ترامب في الشرق الأوسط يقول الكاتب إن “التاريخ سيسجل كل هذا السلوك الأمريكي إزاء المنطقة رغم أن ترامب لا يقرأ التاريخ”.

ترامب حليفاً للسعودية

جاء ترامب على العكس تماماً من الرئيس السابق أوباما الذي كانت لديه مآخذ على النظام السعودي، إذ كان امتعض الأخير من إعلان أوباما آسيا محوراً للسياسة الخارجية الأمريكية، ومن سعيه لعقد وفاق مع إيران، واندفاعه نحو تأييد ثورات الربيع العربي.

ورغم مصالح السعودية مع أمريكا المشتركة، حسب مجلة إيكونوميست البريطانية، إلا أنهما لا يتشاطران القيم أو التقاليد السياسية، والسيء هو أن العلاقات الأمريكية السعودية التاريخية أصبحت أسيرة السياسة الأمريكية، وفقاً للمجلة التي تؤكد أن ترامب يغامر بتخريب هذا التحالف من حيث أراد تعزيزه.

وتدل المؤشرات على أن سياسة الرئيس ترامب لم تكن إلا نقمةً على السعودية في عهد الحليف الوثيق الأمير محمد بن سلمان وأبيه الملك سلمان، كما أن الأموال التي خرجت من خزائن المملكة إلى الولايات المتحدة لم تَجنِ بقدْر ما خسرت.

فقبل أن توجد “نظرية الحلْب” التي اتّبعها ترامب تجاه النظام السعودي، كان ترامب مرشَّحاً للرئاسة وعاملاً على دبِّ الرعب في البلاط السعودي، من خلال تصريحات تهديدية ضد المملكة، إلا أنه غيَّر مواقفه كتاجر قبل أن يكون رئيساً، واختار النظامَ السعودي صديقاً، ووقع نظره لاحقاً على المملكة كأول محطة يزورها في الخارج بعد توليه الرئاسة.

وقد وجد ترامب في التحالف مع النظام السعودي فرصةً للاستثمار بالدرجة الأولى، ومن ثم لتكريس الدور والوجود الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط، وكذلك إحياء تجارة الأسلحة وسد بعض الثغرات الاقتصادية من خلال هذه التجارة “كالبطالة الأمريكية”، إضافة إلى الرغبة الأمريكية في “لبرلة المملكة” متمثلةً في إزاحة الدور الديني الذي ساد المملكة سيادةً تاريخية وتقليص حجم المؤسسة الدينية ورموزها، كما أن التحالف – الذي وصل حد الانصهار – كان فرصةً لجعل التقارب مع إسرائيل “التطبيع” أمراً واقعاً، في محاولةٍ لإحلال السلام على الطريقة الأمريكية بواسطة “صفقة القرن”، ما جعل أصابع الاتهام موجَّهة نحو المملكة القابلة بصداقة الكيان الإسرائيلي على حساب مأساة الفلسطينيين.

وتتمثل حاجة النظام السعودي إلى الإدارة الأمريكية في الإشباع العسكري “الأسلحة”، والتدريب الأمني والعسكري على أيدي الخبراء الأمريكيين، والحماية الأمريكية من الاتهامات العالمية والنقد والتجريم الدوليين جرّاء حرمان الإنسان السعودي من حرية الرأي والتعبير وانتهاك حقوق المواطنين وممارسة الاعتقالات والتعذيب، وكذا انتهاكات النظام الدموية بحق المدنيين في اليمن الذين يستهدفهم التحالف بقيادة السعودية.

كما يلتقي النظام السعودي مع نظيره الأمريكي عند “مناهضة إيران” وردع خطر النفوذ الإيراني في المنطقة، فضلاً عن رغبة ابن سلمان في إبقاء الولايات المتحدة كمسند أو ظَهْر يستند عليه ويقوّي سلطته ويزيد من قوة قبضته، كنوع من الشرعية ومن تقوية الجبهة ضد كل معارض لابن سلمان.

غير أن المنفعة المتبادلة بين الطرفين تحتّم وجود الطرف الأقوى “أمريكا” كنقمة على الطرف الأضعف “النظام السعودي”، إذ أصبحت المملكة في نظر الأمريكيين بقرةً حلوباً قبل أن تكون دولة، ومنبعاً مُدراً للمال تحت مسمى “شراكة استراتيجية”، وأصبحت السياسة الأمريكية راعياً رسمياً لشرعية ابن سلمان والعهد الجديد.

مجلة فورين بوليسي التي تحدَّثت عن أن “ترامب يحتضن المستبدين”، كانت قد نشرت في أغسطس/آب 2018، عن حقيقة تحويل ترامب للمملكة السعودية إلى “قنبلة موقوتة” عن طريق الدعم السياسي الذي يتلقاه ابن سلمان.

قالت المجلة حينها إن النظام السعودي أصبح كل ما أرادت واشنطن أن يكون عليه، وربما أكثر. وتحت قيادة ابن سلمان، تحولت الرياض إلى قوة مستقلة تضرب بقوة في الداخل وتغامر في الخارج، فتجر واشنطن معها في حروبها الخاصة، وفقاً للمجلة التي سخرت أيضاً من أن نجاح ابن سلمان الأكبر في الخارج – في ظل إخفاقاته الخارجية في اليمن وقطر ولبنان – هو كسب ترامب وصهره جاريد كوشنر.

كانت الإدارات الأمريكية السابقة، حتى فرانكلين روزفلت، تتبنَّى سياسات موالية للسعودية، لكن ترامب يبدو مستعداً لخسارة الجميع لكسب النظام السعودي، ومباركاً سياستهم الداخلية والخارجية لما فيها من مصالح للولايات المتحدة، لكن ذلك كله هو “قنبلة موقوتة” قد تنفجر في أي وقت.

وقد وصلت المملكة مفترقاً قاتماً بقيادة ابن سلمان، ففي الوقت الذي تحتاج فيه المملكة إلى التغيير الحقيقي وتحسين الاقتصاد، حوَّل ابن سلمان المملكة إلى دولة بوليسية، وقوَّض تقاليد “الإجماع” في الأسرة الحاكمة التي كانت في الماضي عاملاً للاستقرار، فضلاً عن أنه، وفقاً للمجلة، عطَّل النظام الذي كان موزعاً للسلطة العسكرية بشكل يحفظ الانسجام، بدلاً من تركيز السلطة في يد رجل واحد مثلما الآن.

ومن أبرز النِّقم التي لحقت السعودية خاصةً، والمنطقة عموماً، هي زيارة ترامب إلى السعودية التي عُقدت خلالها قمة 20 و21 مايو/أيار 2017، وسط أجواء احتفالية مكلفة، حيث عُقدت الصفقات “التاريخية” كما سمّاها ترامب الذي أخذ من السعودية 460 مليار دولار وكانت حصة المبيعات العسكرية منها 110 مليار دولار، كما كانت أولى نتائج الزيارة “التوتر” الذي حدث بين قطر والدول الأربع: السعودية والإمارات والبحرين ومصر، ونجم عنه قطع العلاقات الدبلوماسية مع الأولى حتى يومنا هذا، فضلاً عن أنها كانت المحطة الأولى للإهانات التي يتلقاها الملك سلمان وولده من قِبل ترامب، والتي كانت آخرها الإهانات التي وجَّهها ترامب، هذا الأسبوع، بولاية ويسكنسون الأمريكية، وأفاد أنه اتصل بالملك وقال: “أيها الملك لقد أنفقنا الكثير ونحن ندافع عنك، وأنت تملك الكثير من المال”، حينها قال الملك سلمان “لكن لماذا تتصل بي؟ لا أحد أجرى معي اتصالاً كهذا في السابق”، فقلتُ له: هذا لأنهم كانوا أغبياء”.

خاص | صحيفة التمكين

اضف رد