أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات و دراسات » “النظام السعودي” في «ما بعد الدولة»: السير حيث ينتهي الأفق
“النظام السعودي” في «ما بعد الدولة»: السير حيث ينتهي الأفق
الكاتب والباحث السياسي الدكتور فؤاد إبراهيم

“النظام السعودي” في «ما بعد الدولة»: السير حيث ينتهي الأفق

د.فؤاد إبراهيم

ليست التحوّلات الحاصلة منذ فترة في السياسة الخارجية السعودية، بسيطة أو محدودة الدلالات. هي تنمّ عن مراجعة شاملة تقوم بها المملكة لجملة الملفّات المتورّطة فيها في الإقليم والعالم. صحيح أن الهدف الرئيس، المتمثّل في وراثة محمد بن سلمان عرش أبيه، لم يتغيّر، لكن أدوات الوصول إلى ذلك لم تَعُد هي نفسها التي لجأ إليها الأمير الجامح، منذ بداية صعود نجمه عام 2015، وصولاً إلى سلسلة الانتكاسات المتلاحقة التي تُوجّت بخسارة دونالد ترامب رئاسة الولايات المتحدة الأميركية. هذه الخسارة جعلت ابن سلمان يدخل سريعاً “ورشة طوارئ” على عدّة مستويات وفي غير اتّجاه؛ أوّلاً من أجل كسب الرضى الأميركي الذي يهدّد افتقاده بضياع سنوات من جهود احتكار السلطة وضرب المنافسين عليها، وثانياً في سبيل الخروج من المعارك الفاشلة التي كبّدته كثيراً من أمواله ورصيده وسمعته ونفوذ بلاده من دون أن يجني منها شيئاً. في هذا السياق تحديداً، يمكن فهم كلّ ما قام به في الأشهر الأخيرة، من توجيهه بتزخيم نشاط اللوبيات التابعة له على أراضي الحليف الأميركي بهدف استمالة إدارة جو بايدن الواقعة في مأزق كيفية التعامل معه – وإن كانت وثاقة الصلات البنيوية بين الطرفَين تُصعّب توقّع أيّ افتراق دراماتيكي -، مروراً بطيّه صفحة مقاطعة قطر، وليس انتهاءً برفعه البطاقة الحمراء في وجه “صديقه الصدوق” محمد بن زايد، وتدشينه سياسة الإقلاع عن مناكفة “الشقيق” العُماني، بل وطلب تدخّله لتحصيل “الضمانات” اللازمة لإنهاء الحرب على اليمن، والتي تشكّل بنداً أوّل، وربّما وحيداً، على أجندة محادثاته مع الإيرانيين. في خضمّ كلّ ذلك، يبقى الثابت أن لا ثابت في سياسات “ما بعد الدولة” في السعودية، وأن استعجال التسويات ومحو آثار الخطايا الفادحة يكادان يشكّلان خصائص ملازمة للعهد “السلماني”، الذي يبدو أنه لا يزال يسير حيث ينتهي الأفق

بات في حُكم الحتمي في السياسة الخارجية السعودية، التمييز النوعي بين التكتيكي، المُتاح للتداول والتناول العام؛ والاستراتيجي، المؤجّل عقلياً وأزلياً. ذلك أن ثمّة عدمية سياسية تجعل كلّ شيء خاضعاً للتبدّل والزوال، والبدء من نقطة اللاعودة، أو من حيث لا أفق. السياسة العملية تَطبع المواقف، وتمشي يداً بيد مع المتغيّر اليومي، وإن سقطت في الخطأ الدائم، عطفاً على تماهي الصواب والخطأ مع متناقضات المواقف إزاء ملفّات ساخنة. في السياسة الخارجية، كما في بقيّة حقول السياسة الأخرى، لا ضابطة أخلاقية ولا حتى سياسية، أو حتى ميتافيزيقية (إن كان لا يزال هناك مَن يجد فيها سلوة لإلباس مواقفه بها والتسامي على معيارية التحاكم العقلاني)، يمكن أن تفسّر طبيعة التقلّبات بكلّ أشكالها العبثية، وغالباً المثيرة للسخرية. العداوة والصداقة ليستا قيمتَين أخلاقيتَين في السياسة، منذ اندغامهما في لعبة المصالح، ولكن في المسرح الخليجي بِتْنا أمام لعبة كراسي هابطة، تجعل حليف الأمس عدوّ اليوم، والعكس صحيح، من دون الاتّكال على الزمن في تثبيت التحالفات وانفضاضها، لأن الزمن السياسي لا يسير بحسب مقاييس الزمن الطبيعي.
على الرغم من أن خارطة التحالفات لا تخضع للحدس الساذج، أو التخمينات المنحازة، فإن المواكبة الدقيقة لمسار الخطيئة، على الأقلّ في سنوات عهد سلمان، بكلّ إخفاقاته المقصودة أو شبه المقصودة، أي الناجمة عن رهانات ارتجالية ومراهقة، يشي بما لا يدع مجالاً للريب بالخلل الجُوّاني، أي في بنية وعي الفريق المسؤول عن إدارة السياسة الخارجية. ليس نادراً في تاريخ المملكة السعودية أن يكون للعامل الخارجي حضور مركزي، بما يجعل من السياسة استجابة خارجية محضة، أي متولّدة من متغيّرات خارج الحدود. ولكن هذه المرّة، يبدو الخارج كما لو أنه الفيصل العلني، الواضح، والجلي. يعكس ذلك وهناً بنيوياً خطيراً في النظام السياسي السعودي، الذي خسر في عهد سلمان مصادر قوّته وحتى مشروعيّته: العائلة المالكة، المؤسّسة الدينية، التحالفات القبلية (النجديّة)، طبقة التجّار والعوائل التجارية التقليدية.

بات على الشعب أن يكون مستعدّاً على الدوام لتقلّبات السياسة لارتباطها الوثيق بالمزاج الشخصي للأمير

قدرة الرياض على التنقيب عن أصدقاء دائمين تَضعف مع الأيام، ولا شكّ في أن الحلفاء قبل الأعداء قد أعدّوا أنفسهم ليوم تتقلّب فيه التحالفات والمصالح. فالإماراتي، قبل القطري، أدرك مبكراً أن التوازن الحاذق المحمول على ديناميات سياسية واقتصادية وأمنية، يتغذّى على تشابكات اللحظة، وأن كلّ ما هو بعيد المدى يقع خارج حسابات الطرفَين المتصادقَين بحكم الضرورة المؤقّتة، والتي ترسم وحدها خطّ سير التضامن السياسي، وليس الأخلاقي، لبعض الوقت. فالتقارب والتدابر في شبكة التحالفات لا يعكسان تبدّلاً في الشبكة المفاهيمية، وذلك ببساطة لأن ردود الأفعال وليس الأفعال الابتكارية والخلّاقة هي التي تدير دولاب السياسة.

في العهود السابقة، ولاسيما منذ 1970 وحتى 2015، كانت السياسة الخارجية السعودية تميل أكثر فأكثر نحو “الانسجام النسبي” في التعاطي مع ملفّات إقليمية وحتى دولية، وتأكيد “المحورية السعودية” في النطاق الإقليمي، وإلى حدّ ما الدولي. التغيّر في عهد سلمان ذو صلة بالتحوّلات الاقتصادية (من الريعي إلى النيوليبرالية في شكلها الصدموي)، ولكن هذا ليس وحده العامل المسؤول عن التقلّبات المباغتة و(البهلوانية) في السياسة الخارجية. ما قد يتمظهر كنموذج “ما بعد الدولة” عن طريق قذف الجهاز البيروقراطي التقليدي إلى الهامش، وصُنع جهاز آخر موازٍ يضطلع وظيفياً بكلّ أدوار الدولة، مؤّلف من مجلسَين: واحد للشؤون السياسية والأمنية وآخر للشؤون الاقتصادية والتنمية، ويضمّ أعضاء مجلس الوزراء، لا يفضي إلى تجديد الدماء في الجسد الدولتي، وإنما يؤسسّ لنظام أوتوقراطي فريد، ويجعل الدولة بكامل حمولتها رهن إشارة “الحاكم بأمره”.
لم يحدث أدنى تغيير في رؤية الملوك السعوديين للسلطة، ولا للمجتمع. فلا تزال السلطة، في صميم عقيدة آل سعود على تعدّد أجنحتهم، امتيازاً حصرياً لهم؛ ولا يزال المجتمع، في صلب تلك العقيدة، أشتاتاً من رعايا جرى قهرهم بقوّة السيف. هذه الرؤية كفيلة بتفسير لماذا يكون كلّ ما له صلة بالدولة شأناً خاصاً وعائلياً، لأن السياسة، في هذا البلد، ليست شأناً عاماً، كما في الدول المكتملة التكوين، أي التي توافرت على شروط الدولة الوطنية. وعليه، فإن السياسة الخارجية تُصنع في القصر وليس في مبنى وزارة الخارجية، والوزير نفسه يتلقّى توجيهاته من الديوان، أي من خارج الملاك البيروقراطي/ الإداري، أي مجلس الوزراء، المعنيّ برسم السياسات، وصُنع القرارات، وإصدار التعليمات. أزمة التمثيل، ومنتَجها أزمة الهوية، خاصية لصيقة بالنظام السعودي، وإن اتّسمت بها الأنظمة الشمولية عامة. ظلّ الملك على الدوام القوّة الحاسمة في أيّ قرار يكتسب الصفة السيادية، ولكنه كان يحتكم في ما مضى، وبملء حدسه الذاتي، إلى توازنات القوى داخل العائلة وحسابات الأجنحة المتنافسة أو المتصارعة أو حتى المتحالفة، وكان “مجلس العائلة” المرجعية الناظمة للخلافات والتسويات، وهذا ما بدا غائباً بصورة شبه كاملة في عهد سلمان، الذي عطّل الإجماع العائلي، وقوّض الروح الدينية للدولة، بعزل الجماعة الوهابية المعنيّة تاريخياً بتوفير وصْفة المشروعية الأيديولوجية للمملكة السعودية.

ما علاقة ذلك كلّه بالسياسة الخارجية السعودية؟
إن التفرّد الاحتكاري بالسلطة لا يقوّض فقط أسس الإجماع العائلي – الذي هو ثمرة تسويات راسخة وعميقة الجذور – إزاء ملفّات داخلية وخارجية، بل ينطوي على تهديد جدّي للوجود الكياني. وإن هذه النزعة، بطابعها الانفعالي، تجعل السياسة الخارجية ميداناً للتجارب، الفاشلة غالباً، وتحيل المفاهيم الأساسية التي نتصوّرها في حقل السياسة والإدارة، وكما يفهمها الفاعل السياسي المحترف، إلى مجرّد “يوتوبيات” سخيفة. في حقيقة الأمر، إن الدولة والمجتمع كأهمّ مكوّنَين في العقد الاجتماعي، باتا خارج المعادلة، وأصبحت “قوّة الشخصية” البديل الوظيفي، في ما يشبه استعادةً لواحدةٍ من النظريات السياسية القروسطية. لكن يحلو لفريق “المطبّلين” إضفاء صفات فوق بشرية على ابن سلمان، في سياق تبرير تكديس السلطة واختزالها المطلق في شخصه.
في التداعيات، بات على الشعب أن يكون مستعدّاً، على الدوام، لتقلّبات السياسة، لارتباطها الوثيق بالمزاج الشخصي للأمير، ولتقبّل التموضعات المتبدّلة دراماتيكياً في الخصومة والعداوة. وعلى الأفراد الدفاع، وبكلّ فظاظة غالباً، عن قرارات كانت بالأمس “تابوات” يستحيل إخضاعها للمساءلة، وأصبحت اليوم مندكّة في صلب “الانتماء والولاء” للوطن. قطر المُشيطَنة بالأمس، تُعاد بعد نوبة الجنون الإعلامي لسنوات ثلاث إلى بيت الطاعة، حتى إشعار آخر، فيما تتأهّل الإمارات، منذ شهور، أي منذ إعلان ولي العهد قراراً يقضي بإجبار الشركات الدولية على اختيار السعودية وليس أيّ دولة أخرى (= الإمارات) مكاناً لمقارّها الإقليمية (حتى الآن تحوز الإمارات على المقارّ الإقليمية لـ46 من أصل 50 شركة عالمية، فيما اختارت شركة واحدة السعودية مقرّاً إقليمياً لها)، على الرغم من محاولات ضبط إيقاع الخلاف لمنْع خروجه عن السيطرة كما حصل في التجربة القطرية. من المستفزّ حقّاً أن يكون التنافس بين هذه الدول على الأقدر على تقديم التسهيلات السوقية، في مسار تأبيد معادلة التاجر/ الزبون، المنتِج/ المستهلِك، السيّد/ العبد. كان سجال الكواليس والمجالس الخاصة داخل إطار “مجلس التعاون الخليجي” يتمحور حول مَن يجلب أكثر من الأجانب، شركاتٍ ومستثمرين، وكان العمل دائماً على تحويل دول الخليج إلى منصّات عالية الكفاءة وأسواق للبضائع الأجنبية وممرّات لانتقالها إلى الأسواق الأخرى.

جرى العمل منذ ما بعد حرب الخليج الثانية على إبرام اتفاقيات تجارة حرّة ثنائية الطابع بين دول الخليج والولايات المتحدة، تُستكمل حالياً عبر احتضان الشركات الأميركية في الأسواق الخليجية بلا قيد أو شرط.

صحيفة الأخبار اللبنانية