أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات و دراسات » الإمام الخميني والمشروع الإسلامي: إطلالة عامة على الأدوار الإحيائية والمكونات الفكرية(1)
الإمام الخميني والمشروع الإسلامي: إطلالة عامة على الأدوار الإحيائية والمكونات الفكرية(1)

الإمام الخميني والمشروع الإسلامي: إطلالة عامة على الأدوار الإحيائية والمكونات الفكرية(1)

الشيخ جاسم المحمد علي*

من يطالع الحركة الإصلاحية في إطارها الإسلامي والإنساني بمحطاتها التاريخية المتنوعة، تظهر لديه في طياتها وتضاعيفها شخصيات متعددة حملت على كاهلها الفكري والحركي الضلوع بدور القيامة والنهوض والتغيير في المجتمع والأمة في بعديها المعرفي والسياسي، بوصفهما بعدين يشكلان عصبا حساسا وحيويا في صناعة التاريخ والثقافة والهوية، ويتحكمان في الإمساك بمفاصل القوة لدى الحضارات والشعوب.

شخصية الإمام الخميني … التنوع والشمول

هذه الشخصيات الاستنهاضية لدورها التاريخي البارز، تبقى لفترات متطاولة تحت مجاهر المطالعة والدراسة والتحليل، وذلك لاستجلاء مكوناتها، واستنطاق أبعادها، وملامسة خصوصياتها، وتحديد عوامل نجاحها وتأثيرها التي غيّرت بنية الواقع وبناءه؛ باعتبارها نموذجا لامعًا للقيم الإنسانية الحية، يستدعي أن يكون له حضور ملهم في واقع الاجتماع البشري، يصيغ له منطلقاته ومساراته وأهدافه.

شخصية الإمام الخميني تعتبر علامة جوهرية فارقة في تاريخ التجربة الإصلاحية والنهضوية للمجتمع الإسلامي، لتميّزها المعرفي والنضالي، وتأثيرها التأسيسي في مسار الأحداث والظروف والتحولات التي انعكست على أرجاء معمورة الوجود الإنساني.

والمدارسة الموضوعية لشخصيته(قده) وتجلياتها المتنوعة بما لها من العمق والشمول والامتداد على المستوى الإسلامي، تحتاج في تلمّس خصائصها واستكناهها إلى آليات متعددة من العلوم والمعارف والاهتمامات؛ تجسيدًا لقانون السنخية الذي يؤثر في حركة عالم الوجود الخارجي و ونشاط الإدراك المعرفي، فالإمام الخميني برز بوصفه عالما دينيا متنوعا في مجالاته، ومفكًرا إسلاميا حاذقا في منظومته، وعارفا توحيديا عميقا في حقائقه، ومصلحًا نهضويا في أمته، فمن الطبيعي أن الدراسة التحليلية لمثل هذه الشخصية الإسلامية العملاقة، تفرض على الباحث عُدَد معرفية لائقة واعية ودقيقة، تمكّنه من الاطلاع المعمق على المجمل العام لهوية هذه الشخصية الإلهية وتشعباتها المتعددة .

بروز البعد السياسي في شخصية الإمام الخميني

 الأسباب والدواعي

رغم الشمولية والتكامل والتنوع في أبعاد الشخصية الخمينوية -كما في المشار إليه أعلاه- إلا إن الإبداع السياسي كان هو الأبرز في الأوساط الإسلامية والإنسانية العامة، ذلك لأن نشاطه التغييري أحدث تحولات جوهرية عميقة في واقع المجتمع والأمة، أبرزها:

1/ تحويل القراءة الفكرية للدين من صيغته الكلاسيكية التقليدية الفردية إلى ظاهرته الحيوية الممتدة والشاملة والقادرة على إدارة المجتمع الإنساني بأطرافه المترامية نحو الكمال والجمال.(1)

2/ النهوض بأعباء التغييرات الجذرية في نسق المجتمع وتركيبة الأمة، بدءً من جذور ركائزها التحتية إلى بنياتها المجتمعية والسياسية والفكرية، وذلك بصورة نوعية فاعلة، قامت بإعادة تشكيل المشروع الإسلامي المعاصر، وإدخاله في معادلات التأثير الأساسي في مسار الوضع الإقليمي والدولي، حتى بات هذا المشروع بصيغته الثورية والسياسية في موقع التجاذب على مستوى التحليل والتأمل بين أطراف الساحة من الإًصلاحيين الإسلاميين، والسياسيين القوميين، والمستشرقين الغربيين.

دور الإمام الخميني في جهود المشروع الإحيائي للأمة

عنصر الإبداع والتميّز

الإمام الخميني ينتمي إلى تجربة حية ورائدة، تجسدت بعض ملامحها البارزة في سياق التحولات الفكرية والسياسية التي اجتاحت العالم الإسلامي في مطلع القرن العشرين في ضوء انكشاف المشهد عن السيطرة الغربية، والتراجع السلبي للمجتمعات الإسلامية الذي كان وليد صراعات متنوعة المصادر والمنابع، ومختلفة الأشكال والمظاهر، غذّتها سلطات محلية قامعة ومستبدة، وإرادات استعمارية طامعة مهيمنة …

وشهد المجتمع الإسلامي في مطلع القرن العشرين من حركات الاحياء والنهوض التي برزت بشكل متنوع في انتماءاتها وهوياتها، وعيًا دقيقًا منها لظروف المرحلة وطبيعة أزماتها ومكامن تحدياتها التي عصفت بها، وأدت إلى شيوع حالة الجمود والسكون، وتجذر ظاهر الضعف والاستسلام، لكنها هذه الحركات استغرقت بكل جهودها وفعالياتها في هذه المرحلة ولم تنتقل إلى المرحلة الأخرى الأهم، وهي مرحلة اجتراح الحلول والرؤى المناسبة للإصلاح والتغيير.

من إبداعات الإمام الخميني النوعية والتاريخية في هذ الإطار، هو الانتقال بالمشروع الاحيائي إلى أفق رسم الاستراتيجيات والحلول الكبرى للخروج من الأزمات والمشكلات، فهو أدرك بدقة ووعي مواقع الخلل والترهل في العالم الإسلامي هذا من جهة، لكن من جهة أخرى لم تقف طموحاته وهمومه ومساهماته عند هذه الحدود(2)، بل تجاوزها إلى وضع المداميك الأساسية للإحياء الإسلامي المنشود، فدفع مشروعا نهضويا متكاملا في وسط المجتمع الإسلامي، لتدخل حركة الإحياء لدى الإمام بصورة جادة في مسار الثورة على الواقع والتعالي على تعقيداته المتشابكة التي شكلّت عجزًا للكثير من تيارات النهضة على تجاوزها وتغيير واقعها بصورة بنيوية جذرية حقيقية تتلاءم مع الطموحات والتطلعات والشعارات، ثم يصل هذا الإحياء الخميني للدين والفكر والمجتمع بعد ذلك إلى تشكيل النموذج الإسلامي الحي، القادر على صنع الأمم والشعوب.

المكونات الفكرية لمشروع الإمام الخميني الإسلامي

عرض أولي للمعالم والملامح

استكمالا لما سبق تبرز الأهمية البالغة في دراسة المكونات الفكرية والروحية لتجربة الإمام الخميني الإسلامية ودورها الإحيائي المتعدد الجوانب والأبعاد؛ بوصفها تجربة ناجحة ومؤثرة في الأخذ بالدور الديني في الحياة من مواقع الضعف والتبعية والاستلاب، إلى مواقع القوة والاستقلال والسيادة، بحيث يمكنها هذه التجربة أن تكون مثالا وأيقونة لمختلف أشكال حركات الإحياء والنضال والنهوض التي تبحث عن عوامل تطوير الأمة إلى ما تصبو إليه من الأهداف والمقاصد والغايات تبعا لانتمائها الأيديولوجي وفكرها السياسي.

من يستقرئ المكونات الفكرية لمشروع الإمام الخميني، يجدها متنوعة ومتعددة، إلا إنها في خيوطها وجذورها تعود إلى قاعدة واحدة متماسكة بعيدة عن أشكال التشظي والتشتت والتبعثر، وتعيش الوحدة والتجانس والترابط، هذه القاعدة الأساسية، هي: حاكمية الإسلام المحمدي الأصيل في الحياة، ومن هذه القاعدة البنيوية المتجذرة تنبثق مختلف المكونات والمعالم والفعاليات لمشروع الإمام الخميني.

ومن الجدير بالتنويه، أن دراسة هذه المكونات الفكرية، وتحليلها، ومعرفة محتوياتها، أكبر من أن يحيط بها مقالة ثقافية مضغوطة، أو تستوعبها دراسة علمية مجملة، فهي في ترابطها وتجانسها تشكل فكرًا ممنهجا عميقا يحتاج في قراءته إلى دقة ووعي، ففكر الإمام الخميني على خصوبة الدارسات المتنوعة فيه، إلا إن الكثيرين الذي خاضوا غمار تناول هذه الشخصية النهضوية الرائدة وسبر أغوارها، أدركوا أن استنطاق آفاق هذه الشخصية لا زال حيا متجددًا ومفتوحًا، فهي لم تستكمل ملامحها بعدُ لدى النخبة المنتمية إلى التجربة الإسلامية، وتحتاج فيها إلى المزيد من المطالعة والبحث والتأمل.

ولا تدعي هذه اللمعة الخاطفة أنها ستدرس هذه المكونات بتفاصيلها ودقائقها وطبيعة موقعها في الخارطة العامة للتجربة والشخصية، إنما ستقوم بدور الإشارة إلى شيء منها بشكل مجمل.

1/ السياسة والديانة، وحدة وتكامل … مطالعة في دور الإمام في تثوير الفكر السياسي للدين

من يتابع حركة الإمام الثورية والتغييرية، يلمس بجلاء ووضوح أن الإمام منذ بدايات حركته الإسلامية، أدرك أن المجتمع الشيعي من أجل أن تنفتح مغاليقه النهضوية، يحتاج إلى إعادة بناء نسق تفكيره الديني، فالتفكير الديني في الوسط الشيعي آنذاك كان فرديًا وطقسيًا، لا يقارب البعد السياسي والاجتماعي، ولا يعتني بمطاولته والتواصل معه على المستوى العملاني.

فالنشاط الاجتهادي والفكري في المناخ الديني، كان في بعض مراحله التاريخية المتقدمة يقرأ الظواهر والقضايا والتحديات في أبعادها الفردية وينعطف معها في مجالاتها الروحية، لكن لا يشكل منها بلورة ناضجة لمفاهيم ونظريات ومواقف على الصعيد السياسي والمجتمعي، منطلقة من الرؤية الإسلامية ومقارباتها الفكرية، وذلك لأسباب سياسية متعددة ومتداخلة أدت إلى هيمنة الصورة الفردية على العقل الاجتهادي والاستنباطي للدين، حتى تشبّعت تصورات هذا العقل ومعالجاته في هذا الجانب من تمكين النظرية الإسلامية في حياة الإنسان، ليحاذيها بشكل موازي حالة انكماشية على صعيد الفكر السياسي والفقه الاجتماعي، فترسخت بصورة تدريجية هذه الذهنية الفكرية من دراسة الدين والشريعة لدى أكثر الاتجاهات الشيعية، إلى أن امتدت في النهاية هذه السيطرة الفردية على المزاج الفكري للاجتهاد الديني، بحيث باتت الرسالة الإسلامية بعليائها وشمولها وسعتها محجّمة في الإطار الفردي والذاتي، وأصبح المجتهد الديني نفسه لا يرى الشريعة لديها الإمكانات والطاقات الكافية لاستيعاب تحديات الواقع السياسي والاجتماعي، بل هي مبرمجة لإدارة الإنسان الفردي. في البداية كان انسحاب الفكر الديني عن إدارة الواقع السياسي والاجتماعي والاستجابة لمتطلباته وحاجياته ناتجا عن تكالب الأسباب المتنوعة الخارجية والداخلية عليه، فأدت إلى إقصائه عن مواقع الحكم والإدارة بشكل قهري من اشتمال الشريعة على الأبعاد السياسية والاجتماعية، لكن مع تمادي هذه المرحلة وتكرّسها بشكل تدريجي، صار الفقيه الإسلامي لا يرى الشريعة في ذاتها ومكوناتها – وليس بسبب استئصالها عن الإدارة الاجتماعية – إلا هوية فردية محضة ، تتحرك لتحقيق الأحكام والقيم والأهداف ذات الصلة بها، ليبقى البعد الاجتماعي – في هذه النظرة – منفصلا عن الدين غير داخل في حساباته، ومسلمًا إياه لإدارة العقل البشري وتجاربه السلطوية والعلمانية والاستعمارية.(3)

والذي زاد هذا الواقع الشيعي تعقيدًا هو مرافقة التنظيرات الإسلامية والمقولات دينية لهذا المشهد الفكري المأزوم التي تعطيه الشرعية والمنطقية، حيث ساهمت هذه المقولات في تكريسه النفسي والاجتماعي، من هذه المقولات، مثل: الانتظار السلبي للقضية المهدوية وتأثيراتها السياسية، والرؤية الفكرية لدور التقية بمدياتها الواسعة، وبعض أشكال الفقه السكوني الذي يعطّل الفرائض ذات الطابع السياسي والاجتماعي من مشروعية الجهاد، وصلاة الجمعة والعيدين في مرحلة الغيبة وغيرها(4) ..

في هذا السياق جاء الإمام الخميني ليصارع هذا الواقع الفكري القائم، ويقوم بعملية تثوير للجانب السياسي في اللدين وتظهير مفاهيمه وإعادة انتاجها بصورة حركية ناهضة، بل أبرزها بوصفها حقيقة الدين وهويته الإسلامية العميقة التي تقوده إلى تسنم موقع الحضارة والسيادة.(5)

التقسيم المنهجي للسياسية في رؤية الإمام الخميني:

على هذا الصعيد قسّم الإمام الخميني السياسية إلى قسمين:

1/ السياسة الدينية الإلهية: وهي الجهود والفعاليات والمساعي إلى التغيير الإنساني لصالح بناء المجتمع التوحيدي والإلهي، الذي يهدف إلى تكميل الروح الإنسانية، وترسيخ البعد المعنوي، والقيام بالمصالح الاجتماعية العامة.(6)

2/ السياسة الإنسانوية الأرضية: هي السياسة المنقطعة الجذور والأهداف عن المحورية الإلهية والجوانب المعنوية في إدارة الحياة والمجتمع، والمتمركزة في إطار المحورية الإنسانوية، لتكرّس نظامها ونشاطاتها في سياق الاستجابة للبعد المادي والأرضي من الحياة البشرية بأشكالها المختلفة من الاجتماعية والنفسية والاقتصادية.

فالإمام الخميني كان يركّز في مجمل تصوراته الرؤيوية ونظراته الإسلامية على أن السياسة الصالحة لبناء الواقع المجتمعي وفق الأهداف الإنسانية المقدسة من الكمال والسعادة والعدالة والحرية والاستقلال، هي السياسة التي تتبلور في رحم الفلسفات الإلهية للوجود القائمة على الربط بين الأضلاع الثلاثة(الله، الإنسان، العالم) في عملية تفاعلية تصيغ الحياة البشرية بصورة يتطابق فيها التشريع مع التكوين، والمادة مع الغيب، والحس مع الفطرة، فالحرية السياسة في عمقها لديه، هي تمظهر للحرية المعنوية، والعدالة الاجتماعية في حقيقتها امتداد للعدالة الروحية، فهذه المفاهيم في بنياتها التحتية هي معانٍ ذات طابع فلسفي وجودي، تصيغ بإشعاعاتها الروحية القوالب السياسة والمجتمعية والاقتصادية.

الدمج بين السياسة والدين… بواعثها وأسبابها

وفي ظل هذا الفهم الواعي للدين من الإمام الخميني، تغدو كل الأحكام الدينية لها تجلياتها السياسية المتنوعة؛ لأن السياسة تسري في روح الدين وتندمج بآفاقه الحيوية، وهذه التميّز الخمينوي على مستوى التنظير والتفعيل، ناشئ من:

1/ القراءة الشمولية العميقة للإسلام، بوصفه دينًا يتدخل في كل مناشط الفعل الإنساني ومساحاته، ليكون الدين في ظل هذه القراءة هو الحياة، والحياة هي الدين.

2/ الحس الثوري الواعي للإصلاح والتغيير، والاعتقاد الصارم أن الدين هو الوسيلة النهوضية الوحيدة الصالحة لإعادة تشكيل الحياة الإنسانية وفق القيم العليا.

3/ الوعي السياسي المتوقد، الذي لا يقتصر على الرؤى التحليلية للواقع الإسلامي وخلفياته ومآلاته، بل يتكئ على نظرة فلسفية كاملة تجاه الإنسان والحياة والمجتمع.

 2/ المحور التوحيدي والعرفاني ودوره النهضوي

من أجلى مميزات شخصية الإمام (رضوان الله عليه) وتجربته الإسلامية، هي محورية علاقته التوحيدية والعرفانية برب الوجود، وعوالم الوجود، ومرافق الوجود.

هذه العلاقة استغرق الإمام الخميني فيها أشواطا طويلة وكثيرة؛ من أجل تكوينها وبنائها وتنضيجها في نفسه، قبل أن تبدأ لديه مرحلة النهضة السياسية والثورة الاجتماعية، في ضمن حركة واعية لبناء التجربة الإسلامية بطريقة تحاكي تصورات المنطق القرآني الذي يبني الإصلاح الاجتماعي على القاعدة الروحية والمعنوية ((إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ))، حتى أصبح المكون العرفاني عند الإمام(رضون الله عليه) هو المهيمن البارز والطافح والمغطي على بقية مظاهر شخصيته الإسلامية المتعددة، فالإمام الخميني على تنوع مظاهر شخصيته الفكرية إلا إن البعد العرفاني كان يلعب دور القاعدة والأصل والأساس فيها على مستوى نسق تفكيره ونمط رؤيته ودوافع سلوكه وأدائه.

المدارس المعرفية الإلهية على تعددها واختلافها في آليات وعي الوجود واستكناه حقائقه، بحيث تنوعت إلى: المدرسة المشائية، إلى المدرسة الإشراقية، إلى المدرسة الصوفية، إلى المدرسة الصدرائية، إلا إن الإمام بعقله الشمولي ورؤيته التوحيدية قام في مرحلة التخلية والتصفية والتجلية والتحلية بعملية تجسير روحية ومعرفية بين هذه المدارس في استكشاف الحقائق؛ صيرورةً بها إلى حركته النهضوية الحية في بناء الواقع الفكري والاجتماعي والسياسي، الذي تَمثل مرحلة الانتقال من الحق إلى الخلق بالحق في أسفاره العرفانية والتوحيدية.(7)

فالإمام الخميني تميّز من بين شخصيات المدرسة العرفانية، بقدرته على تحرير التوحيد الإلهي والعرفاني – إن جاز التعبير – من روحيته الفردانية والذاتية؛ ليأخذ انسيابيته النهضوية في بناء الحياة وتحريك مياهها الإنسانية المتنوعة، وهنا نبرز نماذج على تدخل البعد العرفاني في إدارة الحياة الاجتماعية والسياسية.

العرفان ودوره الثوري:

فالثورة ضد الظلم والطغيان لا يمكن أن تنبثق إلا من عمق العبودية الإلهية المخلصة؛ لأن التوحيد الروحي لله عندما يهمين على وجود الإنسان ويغطي كل مساحات قلبه، ويتحول إلى محور لكل فعاليات الإنسان وسلوكه السياسي والاجتماعي، سينتج بصورة تلقائية رفضًا للاستعباد المادي والصنمي، ومقارعةً لكل ألوان السيطرة الطاغوتية البشرية.

فالعبودية الصادقة والكاملة لله تساوق الانعتاق من الأغيار، والانفلات من الارتهان لهم، والإمام الخميني في هذا السياق يستند في بلورة هذا المعنى الثوري للتوحيد إلى آيات كثيرة، منها ((وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ))، فالإرادة الإلهية تتجلى في تحرير المستضعفين من قيد الطواغيت، وتسليمهم موقع الإمامة والقيادة والحكومة، عندما تنطلق نهضتهم الإيمانية في مسار الحركة والمقارعة والمقاومة(8)، فالتوحيد الإلهي ليس أفقا معنويا جافًا، بل له مضامينه الثورية والسياسية والاجتماعية والفكرية التي تصيغ الواقع، وتحرك مكامنه، وتفتح مغاليقه المعقدة، وترسم الرؤى الإصلاحية تجاهه.

العرفان ودوره في مشروع الحكومة والدولة:

مشروع الحكومة الإسلامية في أدبيات الإمام الخميني، ليست أهدافها الغائية هي الوقوف عند حدود العدالة الاجتماعية ونظم الحالة السياسية والاقتصادية، بل هذه القيم الإنسانية هي بدورها وسائل لبناء الواقع المعنوي والإيماني، وهنا يبرز الإمام الاختلاف الفلسفي بين المدرسة الإسلامية والمدرسة المادية على المستوى السياسي، فالفلسفة المادية تبحث في نظمها السياسي إلى توفير أجواء الأنس والرفاهية والرخاء بوصفها غايات ذاتية لها، بينما المدرسة الإلهية في تفسيرات القراءة الخمينية، تنظر إلى هذه الأهداف المادية باعتبارها مناخات مهيئة للوصول إلى السعادة الروحية العظمى والعشق الإلهي والكمال التوحيدي الخالدي.(9)

فالوعي الإسلامي الذي يعطي الحكومة والنظام دور إعمار الأرض بالتوحيد والعرفان، يربطها بهيمنة المحورية الإلهية في حياة الإنسان بكل آفاقها ومدياتها، وتحويل هذه الحياة في كل شؤونها وأبعادها إلى ساحة لقاء بالله، وإلى مسجد للأولياء، حتى يكون المجتمع الذي يديره المشروع الرباني للنظام الإسلامي قادر على أن يبلور نفسه بوصفه حاضنة منتجة للإنسان الذي يملك روحية فاعلة إيجابية، روحية تتحفر إلى التكامل، وتستهدف السير في مدراج العروج، وتعمّق الارتباط الإلهي في نفسها، إلى حد أنها تتحول إلى إشعاع هداية ورشاد وتأثير وحضارة لسائر الأمم والشعوب(10).

العرفان ودوره المعرفي:

لقد نظر الإمام الخميني إلى المعارف الدينية والعلوم الإسلامية بصفتها وحدة توحيدية واحدة، رغم تعددها وتنوعها، لأن التوحيد في معتقده العرفاني الواعي يمثل جوهرها وروحها السارية في أبعادها المختلفة، فالفقه والكلام والفلسفة والأخلاق لديه، هي عبارة عن تمظهرات متعددة لحقيقة واحد متماسكة، ولهذا لاحظنا الإمام الخميني في هذا السياق، اهتم بشكل واضح في تركيز شيء من نشاطه العلمي على الربط بين هذه المعارف لصالح المبدأ التوحيدي والإلهي، حتى تكون هذه المعارف، عبارة عن وسائل مجتمعة متلائمة يمكن أن تعبّد لمفكرها وباحثها طرق متجانسة في الوصول إلى الله، كما أننا وجدنا الإمام(رضوان الله عليه) اشتغل في العبادات على تظهير آدابها المعنوية، وفي المعارف على تثوير حقائقها الإلهية، في سياق عملية إحيائية فاعلة، ترتكز على محورية الله في الوجود الإنساني على المستوى الابستمولوجي والأنطولوجي.(11)

3/ الدولة الإسلامية في المشروع الاحيائي .. الموقع والتأثير

من أهم مكونات الوعي الديني البصير عند الإمام الخميني في مشروع نهوضه الإسلامي، هو أنه لم يدخل في ساحة النضال والثورة والكفاح من دون أن يمتلك مشروعا واضحا متكاملا يصنع به الواقع الجديد، ويمسك بمفاصل القوة والتأثير فيه، فهو لم يقبل بأن يكون نتيج الثورة الإلهية وقافلة الشهداء الأحرار فيها إلا قيامة الدولة الإسلامية، التي تنشر القيم والمبادئ، وتكرّس الحق والفضيلة، وترسّخ العدالة والكرامة، وتضع الناس على مسار الاستقامة والكمال(12).

والإمام(رحمه الله) كان وفيًا لمقولة الحكومة الإسلامية إلى حد أنه بات يربط مجمل أهداف الشريعة لحياة الإنسان بمشروع إقامة النظام والدولة، بالإضافة إلى إيمانه العميق بأن حجم الحضور الاجتماعي والسياسي في منظومة الفقهيات الدينية يفوق البعد الفردي وحاجياته المعنوية(13)، الأمر الذي يفضي إلى قراءة مفرداتها بوصفها ذات وشائج عضوية مترابطة تنتهي إلى تأكيد الضرورة الوجودية للحكومة الإلهية التي تعطي الفقه فلسفته ومقاصده الإلهية العامة(14).

وفي السياق نفسه، كان يؤكد الإمام أن أفضل أشكال الحكم السياسي الذي يضمن إيصال البشرية إلى الحرية والسعادة، ويرفع عنها ألوان الظلم والجور والتعدي، هو الحكم الإسلامي القائم على تحقيق الرضا الإلهي في كل مؤسساته وأجهزته ونشاطاته(15).

وعلى الصعيد ذاته، كان الإمام(رضوان الله عليه) يبرز حركة النبوات والرسالات في إطارها الحركي والسياسي العام، على أنها تجلٍ ناصع للحاكمية الإلهية على عالم التشريع في كل مناحيه ومساحاته؛ تحقيقا للقسط والعدالة ((لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ))، ليمارس الفقهاء اليوم الدور نفسه على صعيد الحكومة والدولة في الهداية الإلهية .

فالإمام الخميني(قده) منذ أن بدأ بحركته الثورية لتغيير الواقع وتطهيره من براثن الظلم والاستعباد، اشتغل في الوقت نفسه على طرح البديل الإسلامي الصحيح للحكم والإدارة، وراكم في هذا الصدد كل أشكال التكريس العلمي السياسي للطرح الإسلامي في الذهنية الاجتماعية العامة، وذلك بأساليب متنوعة:

من الدرس العلمي، والنشاط الفكري، والخطاب السياسي، والتظهير القرآني، إلى أن أصبحت بينه وبين مقولة الحكومة الإسلامية علاقة وثيقة راسخة على نمط نظرية تداعي المعاني أو القرن الأكيد بين اللفظ والمعنى.

وهذا التوظيف الاستراتيجي الكبير لمشروع الحكومة الإسلامية في النشاط الاحيائي للإمام الخميني؛ لاعتقاده أن هذا المشروع هو الخيار الأكفأ والأجدر لعودة الأمة إلى واجهة الموقع الحضاري، وإدارتها لحركة الحياة، بعد أن تراجعت عن هذا الموقع الملائم بصورة مصاحبة لتقدم المشروع الغربي والاستعماري، فالإمام الخميني كان يدرك أن سيادة الحكومة الإسلامية تعني:

أن مفاصل الإدارة، ومراكز الفكر، ومنابر الأخلاق والهداية، ومؤسسات التنمية، وعوامل التطوير، ستكون بيد إسلامية خالصة، تجعلها تحت تأثيرها الروحي وأهدافها الكبرى.

فالإمام الخميني لعيشه الأزمة العميقة التي كانت تمر بها الأمة والمجتمع، وجعلتها ترزح تحت وطأة الظلم والتبعية، وأبعدتها عن مواقع الحضارة والسيادة، كان متيقنًا بحكم انتمائه الديني الواعي والعميق إلى أن الإحياء الاجتماعي لمقولات الإسلام الدينية، والتطبيق السياسي للشريعة؛ كفيلٌ بالنهوض الإسلامي من جديد، وخليق بتحقيق الفرصة الحضارية اللائقة لمشروع السماء والغيب(16)، فانطلق بكل صدق وإخلاص لتحشيد كل العوامل والمفاعيل المؤثرة في تحويل هذا المشروع من واقعه التنظيري والتاريخي إلى فعله الخارجي والميداني، بحيث دشّن مرحلة الثورة، مرورًا بمرحلة الدولة، ليصل بعد ذلك إلى مرحلة الأمة والحضارة(17).

الهوامش ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

رجل دين من أهالي الأحساء ـ الحوزة العلمية بمدينة قم المقدسة

1/ الدولة الدينية عند الإمام الخميني .. قراءة في المفهوم القرآني

2/ الرؤية المعرفية عند الإمام الخميني

3/ ومضات للشهيد الصدر

4/ حوارات ولقاءات في الفكر الإسلامي المعاصر

5/ الحكومة الإسلامية وولاية الفقيه

6/ صحيفة النور: 6، اتحاد الدين والسياسة في الحكومة الصالحة، الدولة الدينية عند الإمام الخميني .. قراءة في المفهوم القرآني

7/ الرؤية المعرفية عند الإمام الخميني

8/ صحيفة النور:8

9/ الدولة الدينية عند الإمام الخميني .. قراءة في المفهوم القرأني

10/ الحركة الإسلامية.. هموم قضايا

11/ في رحاب الإمام الخميني

12/ الإسلام يقود الحياة

13/ الحكومة الإسلامية وولاية الفقيه

14/ صحيفة النور: 21

15/ أساس الحكومة الإسلامية .. دراسة استدلالية مقارنة بين الديمقراطية والشورى وولاية الفقيه

16/ دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر: ج4

17/ التجديد والاجتهاد الفكري عند الإمام الخامنئي: ج1

مرآة الجزيرة http://mirat0034.mjhosts.com/38251/