أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات و دراسات » الأمن حق أم امتياز !!!
الأمن حق أم امتياز !!!

الأمن حق أم امتياز !!!

مرآة الجزيرة – زينب العلي

أفق المواطن في كافة الشعوب إجمالاً يتناسب مع فسحة الحرية المتاحة لبناء وتطوير الذات وتمكين القدرات وتطوير المهارات، بعيداَ عن الانشغال بالأنشطة الترفيهية التي غدت تسيطر على نمط الحياة الآن عبر استخدامها كغاية وجعل الحصول عليها هدف منشود ونمط حياة متبع، ويُستهدف في ذلك فئة الشباب على الخصوص المليء بالطاقة والقوة والقدرة على التغيير، ويعود السبب في ذلك بشكل ما أو بآخر لضعف وانعدام قدرة الشعوب على تغيير الواقع وحل مشاكل المجتمع والمشاركة في وضع النقط على المسببات التي تؤدي لتخلف المجتمع عن مواكبة حركة التقدم العالمية التي بات بإمكان الجميع الاطلاع عليها عبر منصات الإعلام العالمية ومواقع التواصل الاجتماعي المتاحة للجميع.

 أبواب الثقافة وأبواق السلطة

وهنا أصبحت ثقافة التوعية في العديد من المجالات أكثر يسراً، حيث يتم اختزال الأفكار الأساسية في عدد محدد من الكلمات لكل “تغريدة” مثلاً، توصل للقارئ مفهوم معين وتصل لشريحة أكبر من المجتمعات والبلدان وتجمع الفئات التي تتشارك ذات الاهتمام من القضايا الحقوقية والاجتماعية والانتمائية والنهضوية والسياسية.

وانقسمت الشعوب في ذلك لجزء يستخدم هذه الوسائل في الترفيه والتسلية وآخر يستخدمها لتعزيز القضايا الإنسانية والحقوقية ومناقشتها والدفاع عنها.

واخذ النشطاء والمعارضون والحقوقيون بالتواصل معاً للوصول لقاعدة عامة تجمع كافة الاختلافات على طاولة واحدة في سبيل صالح المواطن، في حين عمل النظام في “السعودية” على تخويف الشعب واستخدام حاجة الإنسان الطبيعية للأمن والأمان لتقويض الأصوات والتخلص من الإصلاحيين واتهامهم بالتخريب والخيانة والمس بقيمهم الوطنية الراسخة والمعروفة.

الأمن امتياز أم استحقاق!

وهكذا عملت السلطات السعودية على ترهيب المواطنين باستخدام شتى الأساليب القمعية التي تحدث عنها النشطاء للمنظمات الحقوقية والمجتمعات الدولية وعلى صفحات الصحف العالمية في محاولة للضغط على السلطات لإيقاف الانتهاكات، ولم يتمكن المواطن المعتقل أو المستهدف من الإبلاغ عما يواجهه في داخل البلاد لعدم وجود جهات مستقلة تهتم بحقوق الموطن وتقف في وجه التعرض إليه أو المساس بحقوقه تحت إطار قانون مستقل يعمل لصالح الجميع بشكل متساوي دون تمييز على أي أساس سواء كان عرقي أو طائفي أو طبقي، فكتفى العديد بإصدار بيانات توضح منهجهم وتذكر بالظلم الذي وقع عليهم لا لشيء سوى المطالبة بالكرامة الإنسانية.

وجهدت السلطات على سلب المواطن حقه المشروع في الحصول على الأمان والتمتع فيه بشكل طبيعي، فقامت بشن حملات الاعتقالات التي شملت النشطاء والناشطات، واستهدفت بقوات الأمن المناطق وزجت بنخب المجتمع في السجون، واقتحمت المنازل وانتهكت حرمتها وروعت أهلها ولا تزال حادثة اقتحام منزل عائلة آل مزرع الكرام حاضرة في الأذهان تشهد على الوجه المريع للنظام. كما اوقفت قوات الأمن الكثير من المشاركين في التظاهرات والنشطاء بغرض الاستجواب وتركتهم بعد ذلك خلف القضبان، وهددت البقية ومنعتهم من السفر فأصبحوا يعيشون داخل سجن كبير وتحت ما يشبه الإقامة الجبرية في مجال أوسع ولكن دونما التمتع بحق الحرية.

ولم يكن هناك احترام من السلطات لحرمة المواطن فاستبيح بالكلام وبالتصرفات من قبل أجهزة الدولة، وسلب من حقه في الاعتراض على ذلك لعدم وجود قانون حقيقي يحاسب المعتدي المسؤل أمام المواطن.

ومن هنا خلقت السلطة تحديات كبيرة مقابل قيمة الكرامة وتملك الحياة والحصول على الحق في التعبير عن الرأي والمطالبة بالتغيير، وعملت على جعل الحق في الأمن ميزة وليس استحقاق. حيث مكنت المتطرفين من الوصول للمواطنين بعد أن طالب أهالي منطقة القطيف بحقوقهم المدنية والاعتراف بهم ككيان مشارك في هذا الوطن يتمتع بجميع حقوق المواطنة، فحدثت التفجيرات الانتحارية في المساجد كتفجير القديح الانتحاري (مسجد الإمام علي عليه السلام في 22 مايو/أيار 2015)، وتفجير الدمام (مسجد العنود/ جامع الإمام الحسين في 29 مايو/أيار 2015) وسقط عشرات الأبرياء ضحايا للفكر التكفيري المتطرف. كما استهدفت يد التطرف حسينية بقرية الدالوة شرقي الأحساء أثناء إحياء ذكرى عشوراء الحسين عليه السلام، فأُطلق الرصاص الحي على أبناء الأحساء وسقط على إثره العديد من القتلى وذلك في أواخر عام 2014.

وفي ظل انعدام قوى سياسية منتخبة تشارك في القرار وسيادة رأي الحاكم وحده، أصبح المواطن حرف غير موجود في معادلة القوى المؤثرة في البلاد لعدم وجود صوت يمثله ويعمل على المحافظة على حقوق الإنسان والمواطن في البلاد وتأصيل ممارستها القانونية.

وتم اعتقال الفكر المؤثر السلمي وخلط الأوراق للتمكن من استخراج أحكام متحيزة، وخلال ذلك تم تهميش الأصل الأول في المحاكمات العادلة والذي ينص على براءة المتهم حتى إثبات العكس، فحُكِمَ النشطاء والإصلاحيون بناء على إدانة موجهة إليهم من قبل النيابة العامة السعودية دون تقديم أي براهين تثبت ادعاءاتهم وطلب من النشطاء اثبات براءتهم من تهم لم يرتكبوها.

واستخدمت المحكمة في الإدانة اعترافات انتزعت تحت التعذيب ولم يبالي القضاة بما انكره المتهمون، وتم التهاون والاستخفاف بمطالبتهم بإظهار تسجيلات الاستجواب لإثبات استخدام العنف لانتزاع الاعترافات منهم، وهو ما يسقط مصداقية الاعترافات ويبطل إمكانية استخدامها قانونياً.

ومع ارتفاع وتيرة القمع والتنكيل شغلت السلطات الناس بالخوف، وجعلت السكوت ضريبة للحصول على الأمن، وقرنت الاحتجاجات والمعارضة بالموت والتعذيب والتنكيل والسجن والتهجير الاجباري.

وعلى الرغم من رصد انتهاكات السلطات السعودية داخل السجون وخارجها، وداخل البلاد وفي خارجها، لم يتم التحرك بجدية للعمل على حلحلة الوضع وتصحيح القوانين وحد الصلاحيات ووضع أسس لتكوين مؤسسات حكومية مستقلة عن الحاكم واسرته.

 الحقوق والحقوقيون واجب الجميع

الدفاع عن الحقوق والمظلومين ليست مسؤولية المؤسسات الحقوقية أو النشطاء أو المعارضين فقط بل هي مسؤولية الجميع، فكل مواطن يحمل مع مواطنته الواجب في الدفع للتغيير والحق في الحصول عليه بالسبل السلمية والنظامية دون تعرضه للانتهاكات أو سلبه أبسط الحقوق الإنسانية. فالقضية قضية مجتمع كامل خارج حدود الذات أو المصالح والمنافع الشخصية الضيقة ذات هدف أسمى ودافع أكبر يمثل القسط والحقيقة.

وما نسمعه اليوم عما يحدث للنشطاء تحت أقبية السجون في “السعودية” يتناقض مع جميع الكتب السماوية والأحكام الدينية والأسس القانونية والدولية. فلم تكتفي السلطات بزج جميع النشطاء في السجون بل وانتهكت خلال عملياتها القمعية جميع القوانين العرفية والإنسانية، بالرغم من تشدقها عبر إعلامها ومؤسساتها بالقوانين “التشريفية” الموضوعة نظرياً لحماية المواطن.

فتعذيب الناشطات وتهديدهن بالاغتصاب او تعرض البعض للتحرش لمجرد قيامهم بالتعبير عن الرأي عبر الوسائل المشروعة هو جزء مما يواجه المواطن المعتقل في السجون السعودية.

وعلى الرغم من التشويه الذي جهدت السلطات السعودية في العمل عليه باستخدام جميع امكانياتها لطمس وتزييف صورة أي حراك مطلبي لا يخدم مصلحتها أو يتجاوز صلاحياتها، بقيت الحقيقة واضحة وأكشفت عنها فيما بعد الجرائم التي تمادت السلطات في ارتكابها دون مراعاة لأي قانون، وأماطت بذلك اللثام عن الطبيعة المتهورة والقاسية للنظام الذي يحكم البلاد ولا يتسامح أبداً مع أي صوت يغرد خارج السرب، في وقت يستخدم الحاكم فيه جميع مقدرات البلاد وخياراتها للوصول لمبتغاه.

تجذير التطرف وتأصيل التجريم

وتمادت على مدى العقود المناهج الدراسية و المتطرفون من رجال الدين في تشوهيه صورة منطقة القطيف وتكفير أهلها، باستخدام وتعزيز الطائفية والمناطقية التي استشرت في كافة أنحاء البلاد ولازالت تنخر بين أفراد الشعب الواحد، وذلك ارضاء لفئة على حساب أخرى ولتمكين مصالح الدولة السيادية.

كما قامت بتجريم النشطاء واتهامهم بالخيانة والتشهير بهم لأسباب مثل تواصلهم مع الإعلام الدولي والمنظمات الحقوقية الدولية.

وتناست في ذلك كله أن بث الرعب ليس الحل للمشاكل الحقوقية المتراكمة بل الإصلاحات الجذرية، ووضع حد للتطرف والظلم وغياب تطبيق القانون الذي لم يقم سوى بتوسيع الفجوة بين الشعب والدولة.

فكيف يُطلب من المواطن تصديق إدعاءات الإصلاح حين يقابل في ذات الوقت بالتخويف، وكيف يساهم في إنماء البلاد والنهوض بها في شتى المجالات حين يشاهد أمام عينه اعتقال المفكرين والكتاب والمثقفين والمحامين والمصلحين ويشهد محاكمتهم بواسطة المحكمة الجزائية المتخصصة ذات الصلاحيات الواسعة التي تسمح للقضاة بإصدار أحكام لا تتناسب مع ما تقدمه النيابة العامة من اتهامات بحق معتقلي الرأي.

وتبدأ الانتهاكات منذ بداية الاعتقال التعسفي من غير مذكرات رسمية والذي يُستخدم فيه كافة الطرق سواء بطلق الرصاص الحي أو دهس الشخص المطلوب أو القبض عليه أثناء عبوره على نقطة تفتيش أو من داخل بيته أو اصطحابه من مقر عمله، دون مراعاة لحقه أو حفظ لكرامته وخصوصيته.

ثم يأتي التحقيق والاستجواب ووضع المعتقل داخل الحبس الانفرادي لعدة أشهر لا يتمكن خلالها من التواصل مع عائلته او تعيين محامي، والذي يتم خلاله تجاهل مطلب المعتقل بحقه في وجود محامي معه أثناء فترة الاستجواب.

وخلال فترة التحقيق يتعرض المتهم للحرمان من النوم والتعذيب الجسدي بمختلف الوسائل كالتعليق على السقف والوقوف المتواصل بوضعيات غير مريحة وسوء المعاملة والتهديد المستمر والمستفز والذي يصل للتوعد بإيذاء عائلة المعتقل في حال عدم تعاونه أو توقيعه على الاتهامات المجهزة في ملفه مسبقاً، وتترك العائلة في هذا الوقت قلقة على سلامة أبنائها.

وحين ينقل الشخص للسجن يُستخدم أسلوب الدمج العشوائي لتقويض إمكانية السجناء ويتم أحيانا توفير عقاقير تسبب الهلوسة وتصل بالسجناء والنشطاء للإدمان في محاولة لتدمير عقولهم والسيطرة على قوتهم وتقويض طاقاتهم.

وبعدها يتم إيداع السجناء السياسيين والنشطاء والمصلحين في السجن لفترات طويلة دون محاكمات، وحين تبدأ المحاكمات تكون صورية منعدمة المصداقية دون وجود محامين أو جهات حقوقية يمكن للسجين من خلالها تقديم اعتراضه أو تسجيل شكاويه.

وجود حكم كهذا هو عبارة عن استعمار مصغر يعلق إمكانية الشعب ويلغي مساعيه الإصلاحية بل ويجرمها في سبيل تحقيق مصالح ذاتية، بل ويتم إيهام المواطن بأنه ملك للحاكم له ما أعطى وله ما أخذ، وكل ذلك باسم الدين. في حين يملك الحاكم كافة الحقوق ويتمتع بجميع المزايا التي لا حد لها دون محاسبة وكأنه استحقاق إلهي أو إرث ينقل من الأب لابنه، وتتم البيعة كأمر واقع لا يحق لأي كان الاعتراض عليه. القانون المستقل والأحزاب السياسية المنتخبة ومؤسسات المجتمع المدني جميعها تعد المفتاح لحيز أكبر من الحريات والحقوق التي تضمن للمواطن العيش بكرامة وأمن وهو ما كفله الدين وأكدته جميع القوانين والمعاهدات الدولية.

مرآة الجزيرة