أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات و دراسات » #أمريكا تهدد السلم العالمي … ✍🏻 د. سعيد الشهابي
#أمريكا تهدد السلم العالمي … ✍🏻 د. سعيد الشهابي
د.سعيد الشهابي ... كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن

#أمريكا تهدد السلم العالمي … ✍🏻 د. سعيد الشهابي

يوما بعد آخر تتلاشى المنجزات العالمية التي تحققت بعد الحرب العالمية الثانية والهادفة لإحلال السلام ومنع وقوع الحرب وتطوير المجتمع البشري سياسيا واقتصاديا. ويمكن اعتبار العقد الماضي من اشد الحقب ضراوة في الاجهاز على تلك المنجزات.

ومن ذلك ما يلي: أولا تخلى الغرب عن مشروع ترويج الديمقراطية كعنوان عام للايديولوجية الغربية بعد ان استخدمها سلاحا ضد الاتحاد السوفياتي طوال حقبة الحرب الباردة. وما أن احتضنت الجمهوريات الآسيوية التي انفصلت عن الاتحاد السوفياتي في مطلع التسعينيات الديمقراطية كنظام سياسي بديل عن الشيوعية والاشتراكية حتى وضع المشروع على الرف. فالمشروع وحده لا يكفي لاستقطاب الدول للمنظومة الغربية ضمن التحالفات السياسية مثل الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي (ناتو). وبينما استقطبت الدول المستقلة عن الاتحاد السوفياتي ضمن الاتحاد الأوربي لأنها أصبحت «ديمقراطية» ما تزال دول الاتحاد ترفض عضوية تركيا التي تعتبر بلدا ديمقراطيا أيضا. ولا يخفي الغربيون تبريرهم لذلك الرفض بأن تركيا بلد مسلم. ثم تخلى الغرب تدريجيا من الناحية العملية عن المشروع الحقوقي. فبعد تفكك الاتحاد السوفياتي تظاهر الغربيون بحماسهم لذلك المشروع الذي بلغ اوج قوته بعقد قمة حقوق الإنسان في فينا في العام 1993. ولكن تم التخلي عن ذلك المشروع تدريجيا حتى انقرض تماما من السجال السياسي في الغرب بعد حوادث 11 أيلول/سبتمبر 2001. وكانت الولايات المتحدة أولى الدول التي أدارت ظهرها للمشروعين الديمقراطي والحقوقي. ولكن الأخطر من ذلك على أمن العالم واستقراره تخلي الغرب عن الأمم المتحدة التي كانت بعد الحرب العالمية الثانية تعبيرا عن رغبة دولية في مأسسة العمل المشترك على الصعيد الدولي وتضمينه آليات لمنع وقوع الحروب وحل الخلافات وتنظيم العلاقات الدولية السياسية والاقتصادية والثقافية.

التخلي عن الأمم المتحدة بدأ بعد حرب 1991 التي شنها التحالف الغربي آنذاك بهدف «إخراج القوات العراقية من الكويت» ولكنه توسع لاحقا ليصل الى تقنين الوجود العسكري الانكلو ـ أمريكي في الشرق الاوسط. وجاءت الحرب الانكلو ـ أمريكية على العراق في 2003 لتكمل الاجهاز على الدور السياسي للأمم المتحدة، إذ شنت الحرب خارج اطارها وبدون توافق دولي بشأنها. هذا التغييب المتعمد لدول المنظمة الدولية ينذر بأخطار جسيمة لأمن العالم واستقراره. ومن الصعب تحديد اسباب ذلك، ولكن من المؤكد أن تصعيد النغمة السياسية الغربية ضد مقولات «اللاجئين» و «الإرهاب» و «التباين الديني والثقافي» مع المسلمين، أدى لصعود ظاهرة «الشعبوية» في الغرب لتصبح نظاما سياسيا بديلا للنظام السياسي السابق الذي روج مقولات الديمقراطية وحقوق الانسان والأمن الدولي. هذه الظاهرة أدت لصعود عناصر متطرفة الى رأس الدولة في العديد من الدول، حتى اصبح دونالد ترامب المعروف بنزعاته المتطرفة رئيسا للدولة الكبرى في العالم.

وفي أوروبا أدت الظاهرة الشعبوية لصعود اليمين المتطرف على نطاق مرعب. أما في أمريكا اللاتينية فقد نجم عن ذلك تراجع الأنظمة الاشتراكية في العديد من بلدانها نتيجة التدخلات الأمريكية المباشرة وغير المباشرة. وها هي واشنطن تخطط للقضاء على أنظمة غير صديقة في قارات ثلاث. فهي في صراع محتدم مع كوريا الشمالية التي تحسب على الاتجاه الشيوعي الاشتراكي. كما أنها تستهدف نظام مادورو في فنزويلا الاشتراكي أيضا.
وفي الشرق الأوسط تستهدف ظاهرة الإسلام السياسي من جهة وتعمل لحماية «إسرائيل» من جهة اخرى وتخطط لضرب نظام الجمهورية الإسلامية في إيران نتيجة تحريض متواصل من التحالف الذي يضم «إسرائيل» والسعودية والإمارات ومصر والبحرين. وكنماذج لهذا الاستهداف يجدر طرح الأمثلة التالية: الأول اعتراض ناقلة تابعة لكوريا الشمالية (اونست وايز) الشهر الماضي قريبا من اندونيسيا كانت تنقل حمولة من الفحم. وبررت ذلك بأنه انتهاك لنظام العقوبات الذي فرضته الأمم المتحدة على ذلك البلد. ويتوقع تصاعد التوتر بين البلدين وأن كانت أمريكا تتفادى المواجهة العسكرية مع بيونغ يانغ نظرا لما قد ينجم عن ذلك من تصاعد عسكري وخلاف أشد مع الصين وروسيا. فالسياسة الأمريكية في ظل إدارة ترامب تهدف لضمان الهيمنة المطلقة على العالم، ولذلك فقد نقلت واشنطن جزءا من ثقلها العسكري إلى جنوب شرق آسيا لإثبات الوجود وتحدي النفوذ الصيني ومنعه من السيطرة على الممرات المائية خصوصا في بحر الصين الجنوبي والمحيط الهادئ. وعلى صعيد آخر تحاول أمريكا إكمال الهيمنة على دول أمريكا اللاتينية بضمان سيطرة انظمة صديقة على الدول التي توجهت شعوبها في العقدين الاخيرين بعيدا عن الرأسمالية.

ترامب يهدف لضمان الهيمنة المطلقة على العالم، ولذلك فقد نقلت واشنطن جزءا من ثقلها العسكري إلى جنوب شرق آسيا لإثبات الوجود وتحدي النفوذ الصيني ومنعه من السيطرة على الممرات المائية خصوصا في بحر الصين الجنوبي والمحيط الهادئ

وقد حققت انجازات كبيرة فأصبحت البرازيل والأرجنتين ودول أخرى تحت حكومات رأسمالية بعد أن كانت اشتراكية. وتسعى الآن للاطاحة بحكومة مادورو في فنزويلا وذلك بدعم المعارض جويدو وحزبه. وهناك تهديدات انكلو ـ أمريكية بالتدخل لدعم المعارضة وإزاحة مادورو من الحكم، الأمر الذي أصبح مصدر قلق للكثيرين من نشوب صراع في تلك المنطقة يؤدي إلى نشوب حرب اهلية في فنزويلا. ومن بين الدوافع الأمريكية لذلك رغبتها في السيطرة على نفط ذلك البلد الذي يلعب دورا في السوق النفطية من خلال عضويته بمنظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك).

ولكن الأخطر اليوم في سياسات ترامب الخارجية توجهها لإعادة رسم خريطة الصراع في منطقة الشرق الأوسط. فقد أصبح واضحا أن أجندة ادارة ترامب تضع «إسرائيل» على قائمة أولوياتها. ولذلك اصبحت تستهدف كافة القوى المناوئة للكيان الإسرائيلي وتشجع الحكومات «الصديقة» لواشنطن على ترويج مشروع التطبيع مع قوات الاحتلال. وقد شهد هذا المشروع رواجا في الأعوام الأخيرة نجم عنه لقاءات وزيارات علنية قام بها مسؤولون إسرائيليون لعواصم خليجية مثل ابوظبي والمنامة. وتقف إدارة ترامب داعمة لتحالف قوى الثورة المضادة الذي يضم كلا من السعودية والإمارات ومصر والبحرين بالإضافة لـ «إسرائيل». هذا التحالف أصبح يعمل علنا ويروج لمشروع التطبيع من جهة، كما يروج لاستهداف إيران سياسيا وعسكريا من جهة أخرى. ونجم عن ضغوطه على واشنطن اقدام ترامب على سحب أمريكا من الاتفاق النووي الذي وقعته دول 5+1 مع إيران في العام 2015. ولم تكتف واشنطن بذلك بل استخدمته لفرض عقوبات شديدة منقطعة النظير على الجمهورية الإسلامية، وتبنت سياسة «تصفير» صادرات النفط الإيراني، وذلك بالضغط على الدول المستوردة مثل الصين والهند وبعض الدول الأوروبية لوقف استيراد النفط الإيراني. وبرغم أن أوروبا تعلن التزامها بالاتفاق النووي وتعارض القرار الأمريكي بالانسحاب إلا أنها لم تتخذ موقفا عمليا يؤكد جديتها. وبدلا من تغليب المبدأ الذي يقتضي دعم الاتفاق عمليا ورفض التعنت الأمريكي، لاذت أوروبا عموما بالصمت العملي وأن كرر مسؤولوها دعم الاتفاق.

الولايات المتحدة تخلت عن دورها القيادي المسؤول وتحولت سياساتها في عهد ترامب إلى بعبع مخيف يرعب العالم ويزيد أوضاعه وعلاقات دوله توترا. ويتميز خطاب ترامب بالغرور والتغطرس وعداء الآخر والتهديد بالانتقام من أية جهة تختلف معه حتى لو كانت مواطنة أمريكية عادية تلومه لعدم إظهار موقف إنساني تجاهها بعد أن فقدت زوجها في افغانستان. وقد أحاط نفسه بفريق منسجم معه يتشبث بمنطق الحرب والتهديد ويبعد عن هذا العالم لغة الحب والأمن والبحث عن القواسم المشتركة والعمل ضمن منظومة الأمم المتحدة ومؤسساتها المختلفة.

جريدة القدس العربي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*